بعد تنامي ثقافة التبليغ والتخلي عن منطق "تخطي راسي"
وعي المواطن يؤسس لحماية المجتمع من مختلف الآفات
- 238
رشيدة بلال
❊ المواطن شريك أساسي لمصالح الأمن
❊ الرقم الأخضر 1070 لحماية الغابات
يبدو أن الشعور بروح المسؤولية، والتحلي بالوعي تجاه بعض المسائل الهامة في المجتمع، قد أثمر، خلال السنوات الأخيرة، بعد تنامي الوعي بأهمية التبليغ، خاصة عندما يتعلق الأمر ببعض القطاعات الحساسة، وعلى رأسها مصالح الأمن والحماية المدنية وقطاع الغابات، وهو ما كان له دور كبير في إنقاذ الأرواح، والتقليل من بعض الحوادث، ووضع حد لعدد من الجرائم، لاسيما تلك المرتبطة بعصابات الأحياء.
تتردد اليوم، العديد من العبارات التي أصبحت مألوفة في الخطاب اليومي لمختلف المصالح، على غرار: "بفضل وعي المواطن"، و"وردنا تبليغ على الرقم الأخضر"، و"بناء على اتصال للتبليغ"، وغيرها من العبارات التي تعكس، في جانب منها، الدور المتزايد الذي أصبح المواطن يؤديه في حماية المجتمع، وهو ما تسجله مصالح الأمن والحماية المدنية، وكذا مصالح محافظة الغابات، خلال السنوات الأخيرة، من تزايد في عدد التبليغات، تزامنًا مع ارتفاع معدل بعض الحوادث والكوارث، وتفشي بعض أشكال الجريمة في الأحياء، لاسيما ما تعلق منها بعصابات الأحياء. وتكشف هذه المعطيات، عن تنامي الوعي بأهمية التحلي بثقافة التبليغ، والمساهمة في حماية المجتمع من مختلف المخاطر التي تتربص به.
ولم يتوقف الأمر عند مجرد التبليغ عبر الأرقام الخضراء، التي تضعها مختلف المصالح تحت تصرف المواطنين، بل ذهب المواطن إلى أبعد من ذلك، من خلال استغلال ما توفره التكنولوجيا من تسهيلات، لاسيما في توثيق عدد من الحوادث، خاصة تلك المرتبطة ببعض الجرائم التي تقع في الأحياء، على غرار المناوشات والشجارات، وكذا بعض التجاوزات الخطيرة على الطرقات، حيث يتم تصوير وتوثيق بعضها وإرسالها إلى المصالح المعنية.
وقد لعبت هذه التبليغات دورًا هامًا، في مساعدة المصالح المختصة على إلقاء القبض على المشتبه فيهم، أو التدخل ووضع حد لبعض الأفعال قبل وقوع الجريمة، وهو ما يعكس أن المواطن أصبح، في السنوات الأخيرة، طرفًا يعول عليه في المشاركة الفعلية في حماية المجتمع، من خلال التحلي بثقافة التبليغ التي طالما شددت عليها مختلف القطاعات، من خلال التأكيد على عبارة "نراهن على وعي المواطن"، ما جعل ثقافة "تخطي راسي"، التي سادت فيما مضى، تبدأ في التلاشي تدريجيا.
المواطن شريك في عمليات الإنقاذ
من بين القطاعات الحساسة، التي سلطت الضوء على تنامي الوعي لدى المواطن بأهمية التبليغ، قطاع الحماية المدنية، بالنظر إلى الحركية التي يشهدها خلال موسم الصيف، حيث تتدخل مصالحه على مستوى الشواطئ والطرقات، إضافة إلى مختلف الكوارث، لاسيما الحرائق. وحول أهمية ثقافة التبليغ، أوضحت العريف مريم صايغي بوعوينة، أن مصالح الحماية المدنية تعمل، في أغلب الأحيان، بناءً على ما تستقبله من تبليغات، مشيرة إلى أن المواطن على مستوى ولاية البليدة أصبح، في السنوات الأخيرة، يتحلى بوعي كبير، بل أصبح شريكًا هامًا فيما تقوم به مصالح الحماية المدنية من عمليات إنقاذ، بعدما أدرك أن دوره هام في التقليل من حجم الحوادث، وأنه عامل مهم في السيطرة عليها.
وأضافت أن ما يبقى مطلوبًا، هو العمل على رفع الوعي بأهمية نقل المعلومة الصحيحة والدقيقة، خاصة أن المواطن يكون، في أغلب الحالات، أول من يلاحظ الحادث، بالتالي فإن دقة المعلومة وسرعة نقلها، تساعدان المصالح المختصة على التدخل في الوقت المناسب. وحسب المتحدثة، فإن ثقافة التبليغ في المجتمع البليدي، لم تعد مجرد اتصال هاتفي، يتم من خلاله نقل معلومة، بل أصبحت سلوكًا مواطناتيًا مسؤولًا وشراكة حقيقية، بالنظر إلى الدور الذي يلعبه المواطن في ربح الوقت، الذي يعتبر عاملًا أساسيًا في عمليات التدخل والإنقاذ.
ولفتت المتحدثة، إلى أن الوعي بأهمية التبليغ، يعكسه عدد الاتصالات التي يتم استقبالها يوميًا، حيث يتراوح عدد المكالمات على مستوى مكتب التنسيق العملي بين ألف و1500 مكالمة يوميًا، تحمل في مضمونها بعض المكالمات المغلوطة، غير أن أغلبها تكون تبليغات صحيحة، خاصة فيما يتعلق بالحوادث. وأوضحت بوعوينة، أن المصالح تسجل، في بعض الأحيان، ما بين 40 و50 اتصالًا حول الحادث نفسه، وهو ما يعكس، حسبها، وعي المواطنين وتحليهم بثقافة التبليغ وتقديم المعلومات حول الواقعة.
المواطن لم يعد مجرد متلقي حملات التحسيس والتوعية
أما على مستوى مصالح محافظة الغابات لولاية البليدة، فأكد عز الدين شتوم، محافظ الغابات بالنيابة، أن ثقافة التبليغ تعرف، على العموم، تحسنًا كبيرًا في المجتمع البليدي، وهو ما يعكسه حجم التفاعل الكبير مع كل ما يحدث داخل الغابة. وأوضح أن التبليغات تتم عبر الأرقام الخضراء، التي لا تتوقف عن الرنين طيلة اليوم، حيث يتم استقبال مكالمات مختلفة حول إشعال مواقد النار للشواء، أو قطع الأشجار، أو الرمي العشوائي للنفايات، وهي كلها ممارسات تكشف، في المقابل، عن تنامي الوعي والإحساس بالمسؤولية تجاه ما يحدث في الوسط الغابي.
ولفت المتحدث إلى أن تحلي المواطن بالوعي والتبليغ، يعكس أيضًا النتائج المحققة من العمل التحسيسي الذي تقوم به مصالح محافظة الغابات على مدار السنة، من أجل إقناع المواطنين بأهمية المشاركة في مكافحة مختلف الظواهر السلبية، عن طريق التحلي بالوعي وروح المسؤولية والتبليغ، حتى تتمكن المصالح المختصة من التدخل في الوقت المناسب.
في السياق، أوضح المتحدث، بأن عمليات التبليغ التي يتلقاها قطاع الغابات بولاية البليدة، أهميتها في دعم جهود الوقاية من حرائق الغابات، وحماية الثروة الغابية والحيوانية، لاسيما خلال فترة الصيف، التي ترتفع فيها مخاطر اندلاع الحرائق، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وكثرة تردد المواطنين على المناطق الغابية. وفي هذا الإطار، وضعت محافظة الغابات لولاية البليدة، الرقم الأخضر المجاني "1070" تحت تصرف المواطنين، إلى جانب استقبال التبليغات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تمكين المواطنين من الإبلاغ عن أي خطر أو سلوك قد يهدد الغطاء الغابي، بما يسمح لمصالح الغابات بالتدخل في الوقت المناسب، واتخاذ الإجراءات اللازمة.
مؤكدا بأن أهمية التبليغ لا تقتصر على الحرائق فقط، وإنما تمتد إلى مختلف الاعتداءات والممارسات التي تهدد الغابات، على غرار القطع العشوائي للأشجار، حيث سجلت مصالح محافظة الغابات خلال الفترة الممتدة من 1 ماي إلى 16 أوت 2026، ما مجموعه 80 تبليغًا عبر الرقم الأخضر "1070"، توزعت بين 42 تبليغًا بشأن الدخان وبدايات الحرائق أو إشعال مواقد الشواء، و28 تبليغًا حول الاعتداء على الثروة الغابية، خاصة القطع العشوائي، إلى جانب 10 تبليغات تتعلق بحماية الثروة الحيوانية. كما استقبلت المصالح ذاتها، 25 تبليغًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة "فيسبوك"، وهو ما يعكس تنامي انخراط المواطنين في جهود حماية الغابات، واستعمالهم لمختلف الوسائل المتاحة، لإيصال المعلومات المتعلقة بالمخاطر والاعتداءات التي يتم رصدها ميدانيًا.
وتؤكد هذه الأرقام، حسب ذات المصدر، أن المواطن أصبح عنصرًا مهمًا في منظومة الوقاية، باعتبار أن أعوان الغابات لا يمكنهم التواجد في جميع المناطق والمساحات الغابية في الوقت نفسه، بينما يسمح التبليغ السريع بتوجيه فرق التدخل نحو أماكن الخطر في أقرب وقت ممكن. كما يساهم التبليغ في تعزيز العمل الوقائي، من خلال لفت انتباه المصالح المختصة إلى بعض النقاط، التي قد تشكل مصدرًا للخطر، سواء تعلق الأمر بإشعال النيران أو بممارسات غير قانونية تمس بالثروة الغابية، الأمر الذي يجعل من المواطن شريكًا حقيقيًا في حماية الغابة، وليس مجرد متلقٍ للتوعية والتحسيس.
.. والتبليغات تساهم في مكافحة الجريمة
فيما تفيد بيانات مصالح الأمن المعالجة، بتنامي الوعي بأهمية التبليغ، وهو ما يعكسه التفاعل الكبير للمواطنين عبر مختلف الأرقام الخضراء. وتؤكد مصالح أمن ولاية البليدة في كل مرة، نجاح بعض العمليات الأمنية، بفضل ما يتم تقديمه من بلاغات، بما يعكس تنامي الوعي بأهمية التبليغ والمساهمة الفعالة في مكافحة الجريمة. وفي هذا الإطار، أحصى المركز الولائي للمراقبة بواسطة الفيديو، خلال السداسي الأول من السنة الجارية، 51802 مكالمة عبر الرقم الأخضر، من بينها 190 مكالمة خاصة بالاختفاء، إضافة إلى 33696 مكالمة عبر خط النجدة، و247 تبليغ عبر تطبيق "ألو شرطة".
تؤكد هذه الأرقام، حسب مصالح أمن البليدة، أن ثقافة التبليغ لم تعد مجرد وسيلة لإيصال معلومة إلى المصالح المختصة، وإنما تحولت تدريجيًا إلى سلوك يعكس شعور المواطن بالمسؤولية، وإدراك دوره في حماية محيطه، خاصة وأن سرعة التبليغ ودقة المعلومة يمكن أن تكونا عاملين حاسمين في إنقاذ الأرواح، والتقليل من آثار الحوادث، والتدخل للحد من الجرائم ومختلف المخاطر.
وبذلك، يبدو أن عبارة "نراهن على وعي المواطن" لم تعد مجرد شعار ترفعه مختلف المصالح، وإنما أصبحت واقعًا تؤكده أرقام التبليغات اليومية، والعمليات التي تم إحباطها أو التدخل بشأنها، بناءً على معلومات قدمها المواطنون، بما يجعل من ثقافة التبليغ إحدى صور الشراكة الفعلية بين المواطن ومختلف الهيئات المكلفة بحماية الأشخاص والممتلكات والبيئة.