العطلة الصيفية بين الاستجمام والاستعراض الرقمي
هوس "السيلفي" يغزو شواطئ عنابة
- 172
سميرة عوام
تتحول الشواطئ والمرافق السياحية بمدينة عنابة، خلال كل موسم صيفي، إلى وجهة مفضلة لآلاف العائلات والشباب الراغبين في الهروب من روتين العمل، وضغوط الحياة اليومية، بحثا عن الراحة والاستجمام، غير أن مفهوم العطلة الصيفية التقليدية، بدأت تتغير في السنوات الأخيرة؛ إذ لم تعد الاستفادة من مياه البحر والهواء العليل هي الهدف الأول للعديد من المصطافين، بل أضحت اللحظات الصيفية ميدانا للتنافس الكبير على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال التقاط الصور ومقاطع الفيديو الاستعراضية، مما حول العطلة من محطة للراحة النفسية والسكينة، إلى سباق يومي لنيل الإعجابات وتغذية الشاشات الرقمية.
تتميز الشواطئ العنابية، امتدادا من الكورنيش إلى شابي ورأس الحمراء، وصولا إلى شواطئ عين عشير وسرايدي، بانتشار لافت للشباب والعائلات، وهم يحملون هواتفهم الذكية للتوثيق المستمر لكل جزئية من يومياتهم. ولا يقتصر الأمر على التقاط صور تذكارية سريعة لتوثيق اللحظة، بل يتعداه إلى إمضاء ساعات طويلة في اختيار الزوايا المناسبة، وتطبيق الفلتر، وتصوير الوجبات والمشروبات والجلسات الشاطئية، ثم الانشغال المباشر بمتابعة التعليقات والتفاعلات عبر شبكات التواصل الاجتماعي. والمشكلة الأساسية تكمن في أن هذا الانشغال الذهني المستمر، يسرق من الأشخاص متعة الاستمتاع الحقيقي باللحظة الحاضرة، ويحرمهم من الاسترخاء الذهني الذي وجدت العطلة من أجله أساسا.
وفي انطباعات رصدها مواطنون وبعض من العائلات العنابية، ترجع بعض الجمعيات الفاعلة لمدينة عنابة، خاصة تلك التي تهتم بقضايا الطفولة والمجتمع، على غرار جمعية شباب كوم وجمعية حماية الطفولة، تفاقم هذه الظاهرة إلى الرغبة الشديدة في إثبات الذات والتفاخر الافتراضي أمام الأصدقاء والمتابعين. فكثير من الأشخاص باتوا يربطون نجاح عطلتهم ومدى جودتها، بحجم التفاعل الذي تحققه منشوراتهم على منصات التواصل، وليس بمدى الراحة النفسية والسكينة التي شعروا بها أثناء تواجدهم في الطبيعة.
ويرى المهتمون بالتغيرات السلوكية، أن هذا السلوك تحول إلى نوع من "العزلة الرقمية" وسط الجماعة؛ حيث تجد العائلة أو مجموعة الأصدقاء يجلسون في مكان واحد على شاطئ البحر، لكن كل فرد منهم غارق في شاشة هاتفه الذكي، مما يضعف التواصل الشفهي ويقلل من جودة اللمات العائلية والأخوية، التي كانت تميز الصيف العنابي. ولا تتوقف أضرار هذا الهوس الرقمي عند حرمان الفرد من الراحة النفسية، وإفساد جو الاستجمام، بل تمتد لتشكل خطرا حقيقيا ومباشرا على السلامة الجسدية للمصطافين. فالانشغال بتصوير مقاطع الفيديو المباشرة أو التقاط صور "السيلفي"، على حواف الصخور البحرية الزلقة، أو أثناء ممارسة السباحة، يؤدي في كثير من الأحيان إلى تشتت الانتباه ووقوع حوادث انزلاق أو غرق مفاجئة. كما يمتد هذا التشتت الذهني ليشمل أولياء الأمور، الذين قد يسهون عن مراقبة أطفالهم الصغار على ضفاف البحر لعدة دقائق متواصلة، بسبب استغراقهم في تصوير منشور جديد أو الرد على التعليقات، وهو ما يرفع من احتمالية تعرض الأطفال للمخاطر وضياعهم وسط الازدحام الشديد.
وفي المقابل، بدأت تظهر في المجتمع العنابي دعوات وأصوات توعوية، تنادي بضرورة اعتماد مفهوم "الانفصال الرقمي المؤقت" أو الاقتطاع التكنولوجي خلال العطلات، من أجل استعادة القيمة الحقيقية للرحلات الصيفية. وتدعو هذه المبادرات الجمعوية العائلات والشباب، إلى تحديد أوقات معينة لاستخدام الهواتف للضرورة فقط، وترك باقي اليوم للاستمتاع الصريح بالطبيعة، والسباحة، والمحادثات المباشرة بين الأفراد دون قيود الشاشات، بما يضمن تحقيق الاستجمام الفعلي وتجديد الطاقة الحيوية للجسم والعقل، بعد سنة كاملة من الجهد والتعب.
يعكس هذا التحدي السلوكي بشواطئ عنابة، أهمية إعادة النظر في علاقتنا مع التكنولوجيا خلال أوقات الراحة والإجازات؛ فالصيف يجب أن يظل فرصة جميلة لإعادة، السكينة للروح والبدن وتطوير العلاقات مع الأصدقاء والعائلة، وليس محطة للضغط النفسي والاستعراض الرقمي. إن الاستمتاع الحقيقي باللحظة لا يحتاج إلى إثبات عبر شبكات التواصل، بل يتجلى في الطمأنينة والذكريات الجميلة، التي تنطبع في أذهان السواح والزوار، وتبقى حية في القلوب بعيدا عن أضواء الشاشات.