جزء من الذاكرة الغذائية والتراث المنزلي
هكذا تجفف طماطم الصيف في قالمة
- 254
وردة زرقين
لا تقتصر حياة الجزائريين مع حلول فصل الصيف، على الاستمتاع بأشعة الشمس وثمار الموسم، بل تتحول هذه الفترة من السنة، إلى موسم لـ"العولة" وتحضير المؤونة، ومن بين العادات التي ما تزال حاضرة في عدد من بيوت ولاية قالمة، بشرق البلاد، تجفيف الطماطم وتشريحها وتمليحها تحت أشعة الشمس، استعدادً لحفظها واستعمالها خلال أشهر الشتاء.
تعتبر عملية تجفيف الطماطم، من بين طرق العولة في قالمة، أين تتوفر الطماطم بكميات كبيرة وسعر معقول، لاسيما والولاية معروفة بإنتاجها الوفير في الطماطم الصناعية، إذ تعتبر من بين الولايات الرائدة في إنتاج هذا المحصول، وتعكس هذه الطريقة، جانبا من ثقافة العولة الجزائرية، التي قامت تاريخيا على استغلال خيرات الموسم وحفظها لأوقات الحاجة، فقبل انتشار وسائل التبريد والتخزين الحديثة، كانت الشمس والملح من أهم الوسائل التي تعتمد عليها العائلات القالمية، للحفاظ على المنتجات الغذائية لأطول مدة ممكنة.
ورغم تغير أنماط الحياة وتوفر وسائل حديثة لحفظ الأغذية، ما تزال هذه العادة حاضرة في أغلب البيوت القالمية، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الغذائية والتراث المنزلي الجزائري، فكل شريحة طماطم تُترك تحت شمس شهر أوت، ليست مجرد مؤونة للمستقبل، وإنما صورة من صور تقاليد المنطقة، التي تتناقلها الأجيال، وتحكي عن علاقة الفلاح القالمي بالأرض والموسم ونعمة الغذاء.
الطماطم خطة حياة تُستعمل عند الحاجة
تُقدر قيمة البيت في قالمة، وتُحسب بـ"العولة"، تقوم بتحضيرها ربات البيوت، تحسبا لفصل الشتاء وأيام البرد وتساقط الثلوج، كخطة حياة عادية من مواد استهلاكية واستعمالها عند الحاجة، و"العولة" بمفهوم ناس قالمة؛ العيش المتوازن للفرد، ويتم تحضيرها في فترة الحصاد وبيع المنتوج، باعتبار قالمة منطقة فلاحية، والمجتمع القالمي مزارع، وأكبر نسبة من مؤونته المدخرة عبارة من مواد غذائية، مصدرها العجائن، على غرار الكسكسي والدقيق و"المحمصة" والعيش و"الروينة"، إلى جانب الزيتون و"الكرموس"، و"الطماطم المشرْحة"، وغير ذلك.
بعد عملية جني الطماطم من الحقول، بعد نضجها في موسم الوفرة، تختار العائلات الحبات الناضجة والسليمة، تغسلها وتقطعها إلى أنصاف أو شرائح، قبل أن تُرش بالملح وتُرتب في صوانٍ أو أماكن نظيفة، معرضة للشمس الحارة لمدة أسبوع أو أكثر، مع تقليب القطع بين الحين والآخر، حتى تفقد الطماطم جزءًا كبيرا من مياهها وتجف تدريجيا، بعدها توضع في أوان، ومن الأحسن من الفخار، وعند الحاجة، يتم طهي الطعام بهذه الطماطم "المشرحة" كبديل للطماطم المصبرة، كما هناك طريقة أخرى في استعمال الطماطم، حيث توضع في الماء الفاتر لمدة، ثم تُغسل وتنظف من الغبار وتُطحن، وعند الحاجة تُستعمل خاصة في طهي "العيش" و"المحاجب"، إضافة إلى طريقة أخرى، حيث تُفور وتُطحن وتُخلط بالملح، ثم توضع في قارورة زجاج ويتم استعمالها عند الحاجة، وحسب التجربة، فإن 20 كيلوغراما من حبات الطماطم تعطي حوالي كيلوغرامين من الطماطم المرحية، ونشير إلى أن الطماطم المجففة، تُخزن بعناية، لتستعمل لاحقا في إعداد مختلف الأطباق التقليدية، فتمنحها نكهة مركزة ومميزة، وتعيد إلى المائدة طعم الصيف، حتى في أبرد أيام السنة.
"التويزة".. ميزة تضامنية اجتماعية في تشريح الطماطم
تعتبر ظاهرة "التويزة" ميزة تضامنية اجتماعية، توارثتها الأجيال، ضربت بجذورها في عمق المجتمع القالمي، كممارسة تعاونية لم تزل ولم يزعزعها تغير الذهنيات، وهي بذلك تُعد موروثا يثبت روح التآزر بين أفراد المجتمع الواحد على مدار السنة، سواء خلال موسمي الحصاد والدرس، أو جني الثمار أو البناء أو إصلاح السواقي (قديما)، أو تحضير الولائم، أو غسل الصوف أو النسيج أو فتيل الكسكسي، أو جني الزيتون، وتُعد من العادات المتوارثة عن الآباء والأجداد عند بداية كل عملية، تكون بالتهليل والتكبير والحمد، إلى جانب المدائح الدينية، و"التويزة" حاضرة أيضا في تشريح الطماطم، إذ تجتمع النساء في جو من التعاون وتقاسم العمل، فيقمن بتقطيع الطماطم وتنقيتها وتجهيزها للتجفيف والتخزين، ويتبادلن الأحاديث والأمثال والذكريات، فيتحول العمل إلى طقس من طقوس الحياة القالمية، وهكذا تختزن شمس الصيف في شرائح الطماطم ذاكرة بيت قالمي، وتبقى العولة جسرا يصل حاضرنا بماضي الأجداد.
تشريح الطماطم بين الأمس واليوم
بين الأمس واليوم، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياة القوالمية، لكن بعض العادات بقيت صامدة، تحمل معها رائحة البيوت القديمة ودفء الذاكرة، ومن بين هذه العادات، تجفيف الطماطم وتمليحها تحت شمس الصيف، استعدادا للعولة. في الماضي، كان الصيف موسما للعمل والتحضير للمؤونة، خاصة مع وفرة الطماطم ونضجها، فكانت النساء في البيوت القالمية، يقمن بالعملية بصبر وعناية، من اختيار الحبات إلى تقليبها ومراقبة جفافها، ثم جمعها وحفظها لاستعمالها في الأشهر الباردة، لأن العولة آنذاك كانت ضرورة أكثر منها خيارا، فوسائل الحفظ الحديثة لم تكن متاحة للجميع، لذلك اعتمدت العائلات على طرق بسيطة توارثتها الأجيال، مستفيدة من الشمس والملح وخبرة الأمهات والجدات.
أما اليوم، فقد تغير المشهد، الثلاجات والمجمدات ووسائل حفظ الأغذية، جعلت تخزين الطماطم أسهل وأسرع، مع توفر المصانع التحويلية، إذ توجد بقالمة 5 مصانع لتحويل الطماطم، وأصبحت هذه الطريقة التقليدية أقل حضورا في كثير من البيوت، ومع ذلك، ما تزال بعض العائلات تحافظ عليها، ليس فقط من أجل العولة، وإنما أيضا وفاء لعادات قديمة، ونكهة لا تشبهها النكهات الجاهزة. بين الأمس واليوم، تبقى الطماطم المجففة أكثر من مجرد مؤونة، فهي حكاية عن زمن، كانت فيه البركة تُحفظ من موسم إلى آخر، وعن نساء كن يحولن وفرة الصيف إلى زاد للشتاء.