بين أساليب الجدات وتحديات العصر الرقمي...مختصون نفسانيون:
هذه أساليب الحوار لكسب رهان تربية الأبناء
- 201
رشيدة بلال
تجد العديد من الأمهات، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، صعوبة كبيرة في تربية الأبناء والتحكم في سلوكاتهم، لاسيما مع تنامي مظاهر العناد والعنف ورفض الأوامر، ما دفع ببعضهن إلى البحث في أساليب الجدات، عن وصفاتهن التقليدية في التربية، أملا في إيجاد حلول تساعدهن على تجاوز الصعوبات التي تواجههن داخل الأسرة، غير أن مختصين في علم النفس، يرون أن هذه التحديات ترتبط، إلى حد كبير، بالتأثير المتزايد للمحتويات التي يتابعها الأطفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت طرفا مؤثرا في العملية التربوية، بعدما تجاوز دورها مجرد الترفيه، إلى التأثير في أفكار الأبناء وسلوكاتهم.
في الماضي، لم تكن الأمهات يشتكين بالقدر نفسه، من صعوبات تربية الأبناء، رغم أن عدد الأطفال في كثير من الأسر، كان يفوق خمسة أفراد، في ظل مستويات تعليمية محدودة لدى بعض ربات البيوت. ومع ذلك، استطاعت الكثيرات منهن تربية أبنائهن، والحرص على غرس القيم الأخلاقية والاجتماعية في نفوسهم، بمساهمة الأسرة الكبيرة والمسجد والمدرسة، التي كانت تشكل مجتمعة، منظومة متكاملة في التنشئة والتوجيه.
أما اليوم، فقد تحولت أبواب المدارس، حسبما رصدته “المساء”، من خلال أحاديث عدد من الأمهات، إلى فضاء لتبادل الانشغالات المتعلقة بالصعوبات التي يواجهنها في تربية أبنائهن، بدءا من رفض بعض أنواع الطعام، وصولا إلى السلوكات العدوانية، وصعوبة فرض الانضباط داخل المنزل وخارجه، ورفض الأوامر. تجد بعض الأمهات أنفسهن في حيرة أمام هذه التصرفات، خاصة أن الأساليب التي تربين عليها لم تعد، في نظرهن، ملائمة للتعامل مع أطفال اليوم، في ظل التوجه نحو اعتماد أساليب تربوية تراعي المشاعر النفسية للطفل، والابتعاد عن الضرب والعقاب الجسدي، تفاديا للانعكاسات السلبية التي قد تترتب عنهما.
وقد زادت هذه التحولات، من شعور بعض الأمهات بالعجز عن إيجاد الطريقة المناسبة للتعامل مع أبنائهن، إلى درجة أن بعضهن أصبحن يلجأن إلى المختصين النفسانيين، طلبا للمرافقة والتوجيه. وفي هذا السياق، روت إحدى الأمهات، أنها تواجه صعوبات كبيرة في التعامل مع ابنها، رغم أنه لا يزال يدرس في الطور الابتدائي، مؤكدة أنها لم تتمكن من إيجاد أسلوب مناسب للتواصل معه، واحتواء سلوكاته، ما دفعها إلى الاستنجاد بمختصة نفسية.
تطرح هذه الوضعية، تساؤلات حول مدى جدوى العودة إلى الأساليب التربوية التقليدية، التي اعتمدتها الجدات في تربية الأبناء، أم أن الأسر أصبحت مطالبة بالتكيف مع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، والبحث عن أساليب جديدة، تتماشى مع واقع الأطفال، اليوم، لاسيما في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية والمحتويات الرقمية، التي يصعب التحكم فيها، أو منع الأبناء من الوصول إليها.
الهاتف الذكي ينافس الأسرة على دورها التربوي
في هذا الخصوص، أكدت المختصة النفسية، البروفيسور آمال بن عبد الرحمان، أن الأمهات أصبحن بالفعل يواجهن صعوبات كبيرة في العملية التربوية داخل المنزل، مرجعة السبب الأساسي، إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية، التي تحولت إلى مصدر للإدمان، ليس لدى الأطفال فحسب، وإنما حتى لدى البالغين، إلى درجة أصبح معها التخلي عنها أمرا صعبا.
وأوضحت المتحدثة، أن العملية التربوية لم تعد تقتصر على دور الأب والأم، بل أصبح الهاتف الذكي طرفا مؤثرا فيها، بالنظر إلى ما توفره المنصات الرقمية من محتويات وخوارزميات، تتكيف مع اهتمامات المستخدم وسلوكاته، وتقترح عليه باستمرار، مواد جديدة، تستقطب انتباهه وتدفعه إلى قضاء وقت أطول أمام الشاشة.
تكمن الخطورة، حسب المختصة، في تحول الهاتف إلى مصدر يلجأ إليه الطفل، للحصول على المعلومات والإجابات عن تساؤلاته، على حساب الدور المحوري للأولياء في التوجيه والإرشاد والتفسير. وهو ما يضعف، تدريجيا، حضور الأسرة في حياة الأبناء، ويجعل التحكم في سلوكياتهم أكثر صعوبة، بعدما أصبحت الوسائط الرقمية تستحوذ على جانب مهم من وقتهم واهتماماتهم.
أضافت أن الإشكال لا يتعلق بمجرد استعمال الهاتف، وإنما بمدى تأثيره في العلاقة بين الأولياء والأبناء، خاصة عندما يصبح وسيلة أساسية لإشباع حاجاتهم المعرفية والترفيهية، دون رقابة أو مرافقة من الأسرة، الأمر الذي قد يوسع الفجوة التواصلية بين الطرفين، ويحد من قدرة الأمهات والآباء على التأثير الإيجابي في سلوكيات أطفالهم.
من جهة أخرى، حذرت المختصة من أن اللجوء إلى سحب الهاتف من الأبناء بصورة مفاجئة، أو فرض السيطرة عليهم بالقوة، قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تعميق الخلافات الأسرية، ويزيد من حدة العناد والتوتر، وقد تتطور الأمور إلى سلوكات خطيرة، من بينها الهروب من المنزل، أو تصاعد مظاهر العنف داخل الأسرة.
اعتماد الوسطية والحوار في تربية الأبناء ضرورة
أمام هذه التحديات، ترى البروفيسور آمال بن عبد الرحمان، أن الحل لا يكمن في العودة إلى وصفات الجدات وأساليب التربية القديمة بصورة مطلقة، ولا في رفض كل ما تحمله التحولات التكنولوجية من مستجدات، وإنما في قدرة الأولياء على التكيف مع المتغيرات، واعتماد أساليب تربوية مرنة، تراعي احتياجات الأطفال النفسية والاجتماعية. وشددت على أهمية التحلي بالوسطية في التعامل مع استعمال الهواتف الذكية، من خلال العمل على التقليل من الوقت الذي يقضيه الأبناء أمام الشاشات، ومراقبة طبيعة المحتويات التي يتابعونها، مع الحرص على استمرار التواصل معهم، حتى لا تتسع الفجوة بينهم وبين أوليائهم.
كما أكدت، ضرورة تعزيز وعي الأمهات والآباء بمتطلبات التربية في العصر الرقمي، ومساعدتهم على اكتساب مهارات التواصل، وفهم احتياجات الأبناء والتعامل مع سلوكاتهم، معتبرة أن الأساليب التقليدية لم تعد كافية وحدها لمواجهة التحديات التي أفرزتها التحولات المتسارعة، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتواصل، واتساع حضور الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة.
وفي ختام حديثها، شددت المختصة النفسية، على أن إتقان لغة الحوار يمثل إحدى أهم الوسائل التي ينبغي أن تعتمدها الأمهات، خاصة عند التعامل مع الطفل العنيد، أو الذي تظهر عليه سلوكات عدوانية، لأن أسلوب التواصل المعتمد داخل الأسرة، يمكن أن يساهم في احتواء هذه السلوكات أو يزيدها تعقيدا. وأضافت أن الاستثمار الحقيقي في تربية الأبناء، يبدأ من بناء علاقة قائمة على الثقة والتفاهم والمرونة، بعيدا عن التعصب والعنف ومحاولات فرض السيطرة بالقوة، لما قد تسببه هذه الأساليب من آثار سلبية على نفسية الطفل وعلاقته بأسرته.