يكثر التوافد عليها بعد انقضاء الصيف
نوادي الحرف وجهة النساء لاستثمار أوقات فراغهن
- 221
سميرة عوام
تعرف مدينة عنابة، مع حلول فصل الخريف، وبداية الدخول الاجتماعي والمدرسي، حركية لافتة وإقبالا كبيرا من طرف النساء والفتيات، على التسجيل في نوادي الحرف اليدوية والورشات التأهيلية المنزلية. فبعد انقضاء العطلة الصيفية واستقرار الروتين المدرسي للأبناء داخل مقاعد الدراسة، تجد الكثير من ربات البيوت والفتيات الماكثات في البيت، أنفسهن، أمام مساحة واسعة من الوقت المتوفر يوميا، مما يدفعهن بشكل كبير نحو البحث عن أنشطة مفيدة، تجمع بين استغلال الوقت بطريقة نافعة، وتعلم مهن وحرف منزلية، قد تتحول مستقبلا إلى مشاريع مصغرة، تدر عليهن دخلا ماليا إضافيا، يساعد على تخفيف أعباء المعيشة اليومية، ومواجهة مصاريف الحياة المتزايدة.
برزت بوسط مدينة عنابة ومختلف الأحياء القريبة منها، العديد من الجمعيات الناشطة، والمراكز الثقافية، والورشات الخاصة التي تقدم دورات تدريبية مكثفة وشاملة، في حرف يدوية ومتنوعة تستهوي المرأة العنابية. وتتنوع هذه الدورات بين تعليم أساسيات صناعة الصابون الطبيعي ومستحضرات التجميل التقليدية، وفنون الخياطة والتفصيل والتطريز، بالإضافة إلى صناعة الفخار والسيراميك والأنشطة اليدوية المختلفة، التي تتطلب لمسة جمالية وصبرا.
تتميز هذه الورشات بتقديم برامج تعليمية متنوعة وبسيطة، تتلاءم كليا مع التزامات المرأة الماكثة بالبيت والمسؤوليات العائلية، حيث تكون المواعيد المخصصة للحصص، إما صباحية أو في ساعات الظهيرة، لتتناسب تماما مع أوقات خروج الأطفال من المدارس والمؤسسات التربوية، وهو ما شجع الكثيرات على خوض هذه التجربة التعليمية الفريدة دون إحداث أي خلل في واجبهن الأسري واليومي.
ورشات مستحضرات التجميل على رأس القائمة
كما تحتل ورشات صناعة الصابون الطبيعي ومستحضرات العناية بالبشرة، قائمة الحرف الأكثر طلبا واستقطابا لشريحة واسعة من الفتيات والنساء بولاية عنابة؛ حيث تنجذب المشاركات إلى تعلم كيفية دمج الزيوت النباتية المعصورة، والأعشاب الطبية والشعرية، لصنع منتجات صحية خالية تماما من المواد الكيميائية الضارة. وتعتمد هذه الورشات، على تعليم القواعد الأساسية لخلط المكونات والزيوت الأساسية، وإضافة العطور الطبيعية والنباتات المحلية الشائعة، مما يفتح أمام المنخرطات، آفاقا واسعة لإنتاج قطع صابون جمالية ومفيدة للاستخدام الشخصي داخل البيت، أو تقديمها كهدايا قيمة للمقربين والجارات، فضلا عن فتح المجال لتسويقها للمقربين، وفي محيطهن الاجتماعي، كأولى الخطوات لتأسيس مشروع مصغر وواعد عبر منصات التواصل الاجتماعي.
من جانب آخر، تشهد ورشات الخياطة وتفصيل الملابس، إقبالا واسعا لا ينقطع في كل موسم خريفي، إذ تراها العديد من النساء حرفة أساسية وضرورية لا غنى عنها في أي بيت. وتتيح هذه الورشات للفتيات والنساء المتدربات، تعلم المبادئ الأولى لاستخدام آلة الخياطة، وقص الأقمشة بشكل مضبوط، وتصليح الملابس والتعديلات السريعة، وصولا إلى خياطة قطع بسيطة للمنزل أو ملابس جميلة للأطفال. وتؤكد الكثير من الأمهات في عنابة، أن تعلم مبادئ الخياطة يوفر على ميزانية الأسرة مبالغ مالية كبيرة وملموسة، خاصة مع الارتفاع المستمر في أسعار الملابس الجاهزة، وتكاليف التعديلات الخفيفة لدى محلات الخياطة.
الفخار والرسم على الزجاج يستهوي النساء
لا تقتصر الأنشطة والخيارات على الخياطة والصابون فحسب، بل امتدت لتشمل ورشات صناعة الفخار والسيراميك التقليدي، والتطريز اليدوي، وتزيين الأواني المنزلية، والرسم على الزجاج، وهي أنشطة تجمع بين البعد الفني الجمالي والاسترخاء النفسي. وتعبر العديد من المشاركات عن سعادتهن البالغة بالحضور إلى هذه النوادي والورشات، كونها تمثل بالنسبة لهن، فضاء مريحا للالتقاء بصديقات ونساء يشاركهن الاهتمامات والأفكار نفسها، وتبادل الخبرات والتجارب الحياتية، وممارسة هواية ممتعة، تخرجهن من روتين العمل المنزلي اليومي، وتفرغ الطاقات السلبية والضغط النفسي المتراكم.
تجد العديد من النساء والفتيات في هذه الفترة من السنة، فرصة لإعادة اكتشاف شغفهن المنسي، وإبراز مواهبهن التي حالت المشاغل اليومية السابقة، دون تطويرها وتنميتها. فالكثير من المشاركات يجدن في هذه الورشات، بيئة مشجعة وآمنة، تتيح لهن التعبير عن ذواتهن والابتكار دون أي ضغوطات، حيث يتحول العمل اليدوي البسيط، إلى شكل من أشكال العلاج النفسي والتفريغ الوجداني، مما يدعم المرأة بشحنة إيجابية وثقة عالية بالنفس، تنعكس بوضوح على تعاملها اليومي مع أفراد أسرتها، وعلى جو المنزل بشكل عام.
الورشات منصة لمشاريع واعدة
كما يلعب الجانب الاقتصادي والتنموي دورا محفزا، يزداد أهمية يوما بعد يوم، إذ أصبحت هذه الورشات تشكل منصة انطلاق حقيقية للكثير من المشاريع المصغرة والناشئة بمدينة عنابة. فمن خلال التعلم التدريجي واستيعاب التقنيات البسيطة، تمكنت العديد من النساء بولاية عنابة، من إنتاج قطع فنية ومستحضرات تجميلية وملابس مفصلة بجودة عالية، يتم تسويقها بنجاح عبر صفحات "الفيسبوك" و"الأنستغرام"، أو من خلال المعارض والأسواق الجوارية المحلية، مما يوفر لهن مصدرا ماليا مستقلا، يعينهن على تحمل المصاريف الشخصية والمنزلية.
ومن الأسباب الرئيسية التي شجعت النساء والفتيات في عنابة، على الإقبال المكثف، توفر المؤطرات والمدربات ذوات الخبرة العالية في هذا المجال، واللائي يقدمن الشرح بأسلوب مبسط جدا، وفي متناول الجميع، بعيدا عن التعقيدات النظرية، حيث تعتمد معظم هذه الدورات التدريبية على التطبيق المباشر والعمل الميداني منذ الحصة الأولى، مما يمنح المشاركات شعوراً سريعاً بالإنجاز والقدرة على الإنتاج الفعلي من أول تجربة.
وفي سياق متصل، تسعى المراكز والجمعيات الحرفية بمدينة عنابة، إلى تقريب هذه الدورات من الجميع، عبر تبسيط شروط التسجيل، واقتراح أوقات مريحة، واكتفاء بتكاليف رمزية ومناسبة في متناول الجميع، بهدف ضمان مشاركة واسعة لمختلف الشرائح الاجتماعية. وتعتبر هذه المبادرات الحرفية الخريفية خطوة جيدة نحو تشجيع العمل الحر، وتعزيز الاستقلالية المالية والاجتماعية للمرأة ببلديات عنابة، حيث تحول أوقات الفراغ بعد الدخول المدرسي، من مجرد ساعات ضائعة، إلى فرصة حقيقية للتعلم والابتكار، وبناء قدرات جديدة تساهم في دعم ميزانية الأسرة وتحقيق الذات بأسلوب بسيط وفيه فائدة للجميع.