بين لهيب الشمس وزحمة الشواطئ
مهن موسمية تنعش سوق العمل في الصيف
- 139
كمال لحياني
مع إطلالة فصل الصيف وبداية موسم الاصطياف، تعود إلى الواجهة، مهن موسمية تزين الشواطئ بتيبازة، وتضفي عليها نكهة خاصة، حيث يغتنم العديد من الشباب هذه الفترة الذهبية، للانخراط في تجارة مؤقتة ترتبط بالحر والبحر، ما بين بيع المثلجات، الشاي، خبز الدار، كراسي الاستلقاء، الشمسيات والفواكه، إضافة إلى الدجاج المشوي الذي يلقى إقبالًا كبيرا من طرف العائلات الباحثة عن نسمات البحر.
ينتشر هؤلاء الباعة على طول الطرقات المؤدية إلى الشواطئ، وفي الأماكن القريبة من البحر، وحتى داخل الرمال، حاملين بضائعهم البسيطة التي تشكل مصدر رزق مؤقت لهم. إنهم يتحدون حرارة الشمس ويسيرون كيلومترات فوق الرمال والصخور، رافعين أصواتهم، لجذب انتباه المصطافين، فيما تجد العائلات فيهم متنفسًا لشراء ما تحتاجه، دون عناء التوجه إلى المحلات البعيدة.
في مشهد يتكرر صيفا بعد صيف، يعلن باعة الشاي وخبز الدار وحلوى "البنيي"، عن بداية موسم جديد من التحدي، حاملين أباريق الشاي، سلال "الطواجين"، أو قوارير الماء البارد، دون كلل أو ملل. هم أناس من مختلف الأعمار والمناطق، دفعتهم الظروف الاجتماعية إلى خوض غمار هذه التجارة الموسمية، لمواجهة أعباء الحياة وتكاليف العودة المدرسية.
في شاطئ شنوة بولاية تيبازة، وقفنا مع محمد، شاب في العشرينيات، يحمل براد شاي، بعد أن قطع مسافات طويلة فوق رمال مركب تيبازة الشاطئ، يقول "أبيع الشاي منذ سنوات، فالصيف فرصة لا تعوض لمساعدة عائلتي على تخطي غلاء المعيشة. في البداية، كان الأمر شاقًا، لكنني اعتدت على الجولة بين المصطافين، وتعلمت منذ زمن كيفية إعداد الشاي، بل كونت شبكة زبائن ينتظرونني في كل مرة."
أما علي، الطالب الثانوي من ولاية تيميمون الصحراوية، فيحمل إبريقًا كبيرًا من الشاي (معروف محليًا بـ«البراد")، إلى جانب كميات من الفول السوداني المملح والحلويات. يروي أنه يمارس هذا النشاط رفقة خمسة من أصدقائه منذ خمس سنوات، قائلًا "الصيف فرصة للهروب من حر الصحراء، من جهة، وضمان مصروف الموسم، من جهة أخرى. والدي عاجز، وأسعى من خلال هذا العمل، إلى إعانة عائلتي قدر المستطاع. نبدأ في تحضير الشاي منذ السادسة صباحا حتى يكون جاهزا للبيع".
أما ياسر، الشاب العشريني من تيبازة، فيحمل صينية متراصة بحلوى "البنيي" بشكل هرمي، يقطر العسل من قمتها، وتتلألأ حبات السكر تحت أشعة الشمس، في منظر يستقطب الأنظار ويُذيب القلوب. يؤكد ياسر أن بيع "البنيي" أصبح تجارة مربحة للكثيرين، وتحول بعضهم إلى "معاليم" في هذا المجال، ويضيف "المنافسة شديدة، والسعي ليوم كامل تحت الشمس بين المظلات والخيم ليس بالأمر الهين. أيام الأسبوع لم تعد مربحة، لكن الأرباح تعوض في عطلة نهاية الأسبوع، بسبب تدفق المصطافين."
يستغل بعض الشباب عزلة بعض الشواطئ عن المخابز لبيع خبز الدار، حيث تستيقظ النسوة باكرًا لإعداد الخبز التقليدي وترتيبه في سلال، ليتولى الأطفال عرضه على المصطافين. كثيرون يفضلون تناوله، لمذاقه الخاص ولتزيينه مائدة الفطور على شاطئ البحر، بينما تضطر عائلات أخرى، إلى شرائه بعد نفاذ ما جلبته من المنزل، خاصة في الفترة المسائية.
على الطرقات المؤدية إلى الشواطئ، يعرض شباب آخرون، كميات من الكراسي، الطاولات والشمسيات بمختلف الأحجام، إضافة إلى مستلزمات كألبسة البحر، ألعاب الأطفال، وحاملات المثلجات، حيث اعتاد المصطافون التوقف عند هذه المحلات، لتأمين كل ما يزيد متعة البحر، بينما يصر الأطفال على اقتناء القوارب والسترات البلاستيكية للوقاية من الغرق.
مهدي، شاب من بلدية أحمر العين، ينتقل كل صيف إلى منطقة العلمة التجارية، لتزويد مخزونه، ويؤكد أن هذه التجارة أصبحت عادة موسمية، يحقق من خلالها أرباحًا طيبة، مشيرا إلى أن الطلب تحسن بعد عيد الأضحى ونتائج البكالوريا.
لم يقتصر المشهد على الشواطئ فقط، بل امتد إلى الموانئ التي أصبحت قبلة للعائلات، خاصة في الليالي الصيفية. هناك، يعرض الباعة آلات صنع المرطبات، وينصبون الطاولات والكراسي، لتوفير جلوس مريح، كما يستغل بعض الشباب الصحراويين المساحات لنصب خيم لبيع الشاي على الطريقة التقليدية، فيما يعرض آخرون الفخار، الفضة والتحف، كتذكارات تروق للسياح والمغتربين الباحثين عن قطعة من التراث الجزائري.
ويبقى فصل الصيف في كل سنة، فرصة ذهبية يغتنمها الشباب والأطفال، لضمان مصروف الجيب وتخفيف العبء على العائلة، تحضيرا للدخول الاجتماعي.