أعمال موسمية تعود خلال العطلة
مهن الصيف تشغل وقت كثير من الشباب
- 148
نور الهدى بوطيبة
في الوقت الذي يربط كثيرون فصل الصيف بالراحة والسفر والبحر والاستجمام، تتحول العطلة بالنسبة لعدد من المراهقين والشباب الى فرصة للعمل، وكسب المال، وتجريب الحياة المهنية في سن مبكرة. فمع نهاية الموسم الدراسي وبداية العطلة الصيفية تنتشر في الشوارع والأسواق والشواطئ والمحال الصغيرة، وجوه صغيرة وشابة تبحث عن عمل مؤقت، بعضهم يعمل لمساعدة أسرته وتخفيف جزء من مصاريفها.
وبعضهم يريد توفير المال لشراء ما يحتاجه، أو ادخار مبلغ يساعده على تحقيق هدف شخصي؛ كاقتناء الأدوات المدرسية، أو الملابس، ولِم لا دفع مقابل سفر أو خرجة مع الأصدقاء، فيما يرى آخرون في العمل الصيفي فرصة لاكتساب تجربة، وتحمّل المسؤولية بدل قضاء العطلة كاملة أمام الهاتف أو في البيت، وبين الشواطئ والحدائق.
تزداد هذه الظاهرة وضوحا في المدن الساحلية، والمناطق التي تعرف حركة سياحية وتجارية خلال الصيف، حيث تزيد الحاجة الى اليد العاملة في المطاعم، والمقاهي، ومحال بيع المثلجات والمشروبات، والملابس، والمنتجات الموسمية، وحتى على الشواطئ، ووسط الغابات والأماكن التي ترتادها العائلات. كما تظهر فرص مؤقتة مرتبطة بالأسواق، والباعة المتجولين، والخدمات البسيطة. ويجد بعض المراهقين في هذه الأعمال وسيلة لكسب دخل سريع خلال فترة قصيرة، بينما يبحث الشباب الأكبر سنا عن فرصة، تسمح لهم باستغلال العطلة في اكتساب خبرة عملية، قد تفيدهم لاحقا عند دخول سوق العمل.
وتختلف المهن التي يقبل عليها الأطفال والمراهقون والشباب خلال الصيف، بحسب المنطقة، والسن، والقدرات. ومن أكثرها انتشارا المساعدة في المطاعم ومحال الوجبات السريعة، وبيع المثلجات والمشروبات، والعمل في المحال التجارية، إلى جانب ترتيب السلع، وتغليفها، والمساعدة في الأسواق، وبيع بعض المنتجات الموسمية على الشواطئ، وفي الحدائق. كما يلجأ بعض الشباب الى أعمال مرتبطة بالمناطق السياحية، في حين يعمل آخرون في الورشات الصغيرة، أو لدى أصحاب الحرف والمهن. وتُظهر تقارير عن عمل الأطفال في الجزائر، أيضا في البيع في الشوارع، وبعض الورشات، والميكانيك، والخياطة والمطاعم.
وحول هذا الموضوع حدثت "المساء" رمزي حامدي مدير موارد بشرية، الذي أكد أن هذا الأمر له إيجابيات وسلبيات، بين تحقيق نسبة من الاستقلالية المالية للشباب، وحتى بعض المراهقين إذا ما كانت أعمالا بسيطة، وتحترم سنهم وخصوصيتهم، مثلا كالمساعدة في محلات عائلية أو غيرها من المهن التي تكفل حقهم دون التأثير عليهم أو على سنهم، في حين سلبياتها قد تكون في تحول بعض المهن الى أعمال شاقة. وهنا تتحول الى مفهوم عمالة الأطفال خصوصا إذا كان الفرد صغيرا في السن، ويمارس مهنا شاقة وهذا ممنوع قانونا، إذ تترتب على موظفه عقوبات شديدة.
وأوضح أن العمل الصيفي أحيانا لا يكون بالنسبة لكثير من العائلات مرتبطا بالحاجة المالية، فهناك أولياء يشجعون أبناءهم على خوض تجربة العمل خلال العطلة؛ حتى يتعلموا قيمة المال، ويعتادوا على المسؤولية، والانضباط، فالشاب أو المراهق الذي يكسب مبلغا من المال ولو كان بسيطا، بعد ساعات من العمل، قد يصبح أكثر وعيا بقيمة ما ينفقه. وقد يختار ادخار جزء من دخله بدلا من صرفه بالكامل، وهو جانب يمكن أن يجعل التجربة مفيدة إذا تمت في إطار يحمي الطفل، ويضع صحته ودراسته في المقدمة.
العمل تجربة مبكرة لاكتشاف سوق الأعمال
ومن الناحية الاقتصادية، يضيف محدث "المساء" ، "يمكن النظر الى العمل الصيفي باعتباره تجربة مبكرة للتعرف على سوق العمل؛ فعادة ما يُربط مثل هذه التجارب باكتساب مهارات أولية مثل الالتزام بالمواعيد، والتعامل مع الزبائن، وتحمّل المسؤولية، وتنظيم المصروف، وفهم العلاقة بين الجهد والدخل. كما إن الادخار المبكر يمكن أن يساعد المراهق على تطوير سلوك مالي أكثر وعيًا "، مردفا: "الفائدة الاقتصادية تتوقف على طبيعة العمل، وسنه، وظروفه، فالعمل الذي يتم في بيئة آمنة ولساعات مناسبة يختلف تماما عن العمل الشاق أو الطويل أو الذي يعرّض القاصر للحرارة الشديدة أو المواد الخطرة، أو الاستغلال، وغيرها من الظروف التي تتنافى والحقوق التي يمنحه إياه القانون".
وتشير منظمة العمل الدولية، حسب محدث "المساء"، الى أن ما يقارب 138 مليون طفل حول العالم كانوا منخرطين في عمل الأطفال سنة 2024، من بينهم نحو 54 مليون طفل، في أعمال خطرة يمكن أن تضر بالصحة أو السلامة أو النمو. وهي أرقام تُظهر أن القضية لا تتعلق فقط بكون الطفل يعمل، بل بنوع العمل والظروف التي يؤدي فيها هذا العمل، ليتحول المفهوم مباشرة من العمل في ظروف جيدة الى تجارب مريرة، أو استغلال للطفولة.
وفي الصيف تحديدا يقول المتحدث: "تصبح بعض الظروف أكثر حساسية، فالعمل تحت أشعة الشمس لفترات طويلة، وحمل السلع، والوقوف لساعات، والعمل في المطاعم والمطابخ، أو البقاء في الشوارع خلال فترات الحر كباعة الماء مثلا، في مواقف الحافلات وحتى وسط الطريق، كلها عوامل يمكن أن تجعل العمل أكثر إرهاقا بالنسبة للقاصر"؛ لذلك لا يمكن، حسبه، تقييم التجربة فقط من خلال المبلغ الذي يحصل عليه الطفل في نهاية اليوم، بل "يجب النظر أيضا الى عدد ساعات العمل، وطبيعة المهام، ومكان العمل، ومستوى السلامة، وأثر ذلك على صحة الطفل العامل، وراحته، وعودته الى الدراسة بعد تلك الفترة، وتأثير كل ذلك على نفسيته، وحياته عامة".
وبين الرغبة في كسب المال والخوف من الاستغلال يبقى العمل الصيفي بالنسبة لبعض الشباب، تجربة تحمل جوانب جيدة ـ يضيف محدثنا ـ إذا تمت في ظروف مناسبة؛ فقد يمنحهم أول احتكاك بسوق العمل، ويعلّمهم قيمة الوقت والمال. وقد يساعدهم على ادخار مبلغ لتحقيق هدف شخصي، لكن حماية القاصرين تظل مسؤولية الأسرة، وصاحب العمل والمجتمع معا؛ من خلال التبليغ، مثلا، في حال ملاحظة خطر على الطفل، أو سوء معاملة، أو استغلال؛ فالهدف من العطلة ليس تحويل الطفل الى عامل دائم، بل منحه فرصة للراحة، والتعلم، واكتساب الخبرة دون أن يدفع ثمن ذلك من صحته، أو تعليمه، أو طفولته. أما بالنسبة للشباب فتبقى دائما فرصة لاكتساب مهارات جديدة، وخوض تجارب قد تكون مفيدة جدا مستقبلا؛ لدخول سوق العمل أو الأعمال.