الشواطئ الصخرية وجهة الشباب المتهورين
مغامرات طائشة تنتهي بالشلل أو الوفاة
- 124
رشيدة بلال
لاتزال الشواطئ الصخرية تشكل واحدة من مصادر الخطر التي لم تعد تهدد حياة المراهقين فقط، بل امتدت حتى الأطفال المرافقين لهذه الفئة ممن يجازفون بدافع المغامرة والتهور، بالقفز من المرتفعات الصخرية دون اكتراث لطريقة السقوط أو لما قد يكون موجودا تحت سطح الماء. وهي ممارسات تنتهي، في بعض الحالات، بإصابات خطيرة، بعضها قد يؤدي إلى الشلل، وأخرى إلى الوفاة؛ ما جعل مختصين في الصحة يدقون ناقوس الخطر، داعين الأولياء إلى التحلي بالوعي والمسؤولية تجاه أبنائهم.
من بين القصص التي لقيت تفاعلا كبيرا على منصات التواصل الاجتماعي قصة شاب في العشرينيات من العمر، وجد نفسه مقعدا على كرسي متحرك، يناشد المحسنين مساعدته لإجراء عملية جراحية خارج الوطن بعدما تعرّض لإصابة خطيرة إثر قفزة متهورة من شاطئ صخري تسببت له في شلل. وهكذا تحوّل من شاب مفعم بالحياة وله حياته الخاصة وطموحاته، إلى شخص مقعد لا يقوى على ممارسة نشاطاته بشكل طبيعي.
وقصة أخرى لشاب اختار هو الآخر المجازفة بالسباحة في الشواطئ الصخرية، مدفوعا بشغفه الكبير بالقفز والاستعراض. غير أن إحدى القفزات التي قام بها تسببت له في كسر على مستوى الرقبة، انتهى بإصابته بشلل كلي، حيث فقد القدرة على تحريك أطرافه، ولم يبق له سوى تحريك عينيه ولسانه، ليعيش لأكثر من 30 سنة على هذه الحالة. هذه مجرد عينة من عدد كبير من الحوادث التي طالت فئات عمرية مختلفة، دفعهم حب المغامرة والتهور إلى المجازفة بحياتهم، من خلال اختيار شواطئ صخرية غير محروسة، للسباحة. ويكون الدافع، في كثير من الأحيان، خوض التجربة، والشعور بنشوة التواجد في عرض البحر، إلى جانب القفز من مرتفعات صخرية مختلفة.
واللافت للانتباه أن هؤلاء الشباب وحتى المراهقين منهم، يصطحبون في أغلب الأحيان، إخوتهم الأصغر سنا، الذين يخوضون التجربة بدافع التقليد، لتحدث الكارثة!. وتكون النتائج في الغالب عبارة عن كسور بسبب الارتطام بصخور غير مرئية، أو إصابات مختلفة على مستوى الرأس، وأحيانا أضرار تطول الجهاز العصبي نتيجة طريقة القفز والارتطام بمياه البحر، وقد تنتهي بالإصابة بالشلل، أو الوفاة.
وحسب الطبيب محمد كوتش، المختص في الصحة العمومية، فإن القفز في الشواطئ الصخرية أو اختيار بعض الكتل الصخرية الموزعة داخل البحر والتي يقبل عليها الشباب بكثرة للقيام بحركات استعراضية ـ وهي في الغالب مواقع غير محروسة ـ يخلف الكثير من الحوادث التي تستقبلها مصالح الاستعجالات بصورة دورية منذ انطلاق موسم الصيف. وتتطلب أحيانا تدخلات جراحية دقيقة على مستوى الأعصاب، أو جراحة العظام.
وأوضح المختص أن الإصابات المسجلة تتمثل في الغالب، في كسور على مستوى القدم، أو الكتف، أو الأطراف، أو الصدر. وفي بعض الحالات يتم تسجيل تهشم في الجمجمة بدرجات متفاوتة، أو كسور على مستوى الرقبة، قد تؤدي إلى شلل جزئي أو كلي. وفي مثل هذه الحالات لا تكون العملية الجراحية سوى وسيلة لإنقاذ حياة المصاب قبل أن يواجه في كثير من الأحيان، تبعات الإصابة، وما قد تخلّفه من إعاقة.
وأكد الطبيب أن القفز في أصله، رياضة عالمية، تنظَّم ضمن دورات عالمية وقارية، وفي ظروف خاصة. وتسبق ممارستها تكوينات وتدريبات وتحضيرات عديدة، سواء من حيث طريقة القفز أو كيفية النزول، مع الحرص على تفادي السقوط على الرأس، فضلا عن وجود فريق طبي مختص للتدخل في حال تسجيل أي خطر. أما عمليات القفز التي يقوم بها بعض الشباب والمراهقين اليوم بشكل عشوائي، فلا علاقة لها بالممارسة الرياضية المنظمة، بل هي مجازفة حقيقية بالحياة، بل انتحار مباشر، خاصة عندما تتحول إلى منافسة بين مجموعة من الشباب، أو ترتبط بالتنمر ودفع البعض إلى المخاطرة؛ من أجل التميز، أو الاستعراض، أو محاولة التغلب على الخوف.
غير أن النتيجة، حسب المختص، قد تكون كارثية ليس فقط على المتهور نفسه، وإنما أيضا على أسرته وقطاع الصحة بالنظر إلى أن الإصابات الخطيرة تتطلب عمليات جراحية دقيقة، وفترات استشفاء طويلة، فضلا عن تكاليف كبيرة لإعادة التأهيل الحركي والوظيفي. وفي كثير من الحالات قد يجد المصاب نفسه أمام إعاقة دائمة، تجعله بحاجة إلى رعاية ومرافقة مستمرة.
ومن هنا يؤكد المختص على أهمية الوعي الأسري، خاصة بعدما أصبحت السباحة في مثل هذه الشواطئ، تستقطب حتى الأطفال، الذين قد يقلدون إخوتهم الأكبر سنا دون إدراك لحجم المخاطر التي تحيط بهذه الممارسات. وبالمناسبة، دعا المختص إلى تدخّل الجهات المعنية بشكل أكثر صرامة؛ لمراقبة هذه الشواطئ الصخرية، وتشديد الإجراءات والعقوبات ضد من يعرّضون أنفسهم للخطر؛ باعتبار أن هذه المواقع لاتزال تحصد الأرواح في صمت، حاملة معها مخاطر المغامرة، والتهور.