قلة النوم خلال العطلة
مشكلة صامتة تسبق الدخول المدرسي
- 197
نور الهدى بوطيبة
قبل الدخول المدرسي بأسابيع، تنشغل كثير من الأسر بشراء المحافظ والملابس والأدوات المدرسية، وترتيب تفاصيل العودة إلى الأقسام، لكن هناك تفصيل يبدو بسيطا في الظاهر، وقد يكون أكثر أهمية من كل ما يوضع داخل الحقيبة، وهو النوم، فبين طفل اعتاد السهر حتى ساعات متأخرة من الليل، خلال العطلة الصيفية، ومراهق يقضي جزءا طويلا من ليله أمام الهاتف، تجد الأسرة نفسها أمام مهمة صعبة، وهي إعادة عقارب الساعة البيولوجية إلى نظام يتناسب مع توقيت المدرسة.
المشكلة، وفق ما تم رصده، لا تتعلق فقط بصعوبة الاستيقاظ صباحا أو الشعور بالنعاس داخل القسم، إنما قلة النوم عند الأطفال والمراهقين، ترتبط بالانتباه والذاكرة والسلوك والصحة النفسية، كما يمكن أن تنعكس على القدرة على التعلم، وعلى الحياة اليومية داخل المدرسة، وهو ما يجعل النوم جزءا من الاستعداد الحقيقي للدخول المدرسي، وليس مجرد عادة منزلية يمكن تأجيلها إلى الأيام الأولى من الدراسة.
ومع اقتراب موعد العودة إلى الدراسة، يصبح السؤال الذي يطرح نفسه داخل كثير من البيوت؛ "كيف يمكن للطفل الذي نام طيلة فصل الصيف في أوقات متأخرة، أن يعود فجأة إلى النوم المبكر والاستيقاظ في الصباح؟، و"«كيف يمكن للأسرة أن تتعامل مع هذه المرحلة من دون تحويلها إلى صراع يومي؟ خاصة أن الطفل لا يرى دائما في النوم أولوية، بينما يرى في الهاتف والألعاب ومقاطع الفيديو، فرصة لاستكمال يومه، لكن يصعب عليه في المقابل، الاستيقاظ مبكرا كل يوم للذهاب إلى المدرسة، ورغم توصيات خبراء الصحة بضرورة حصول الطفل في سن المدرسة، بين السادسة والثانية عشرة، على ما يعادل تسع واثنتي عشرة ساعة من النوم خلال اليوم، بينما يحتاج المراهقون بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، من ثماني إلى عشر ساعات، وهي مدد لا تتحقق عند عدد كبير من الأطفال والمراهقين، عندما تتأخر ساعة النوم وتبقى ساعة الاستيقاظ مرتبطة بالمدرسة، لذلك فإن الشهر الذي يسبق الدخول المدرسي، يمكن أن يكون فرصة لإعادة بناء العادات اليومية بشكل تدريجي، بدل انتظار اليوم الأول من الدراسة، ثم محاولة فرض نظام جديد في ليلة واحدة.
في هذا الصدد، أوضحت الطبيبة العامة، نادية مزنان، في حديثها لـ«المساء"، أن مشكلة النوم عند الطفل لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد عناد، أو رغبة في السهر، لأن الطفل قد يكون اعتاد خلال العطلة، على نمط مختلف تماما عن نمط الدراسة، وتقول بأن العودة إلى النوم المنتظم، تحتاج إلى تدرج وتعاون داخل الأسرة، فليس من المنطقي مطالبة الطفل بإغلاق هاتفه والنوم مبكرا، بينما يبقى باقي أفراد العائلة مستيقظين أمام الشاشات، أو يكون فيه ضجيج في البيت، كما أن تغيير موعد النوم بشكل مفاجئ، قد يجعل الطفل أكثر توترا ويزيد من مقاومته للنوم، لذلك يكون من الأفضل تقديم موعد النوم والاستيقاظ مبكرا تدريجيا خلال الأسابيع التي تسبق الدخول المدرسي، مع تقليل استخدام الشاشات في الفترة المسائية، وتهيئة غرفة النوم لتكون أكثر هدوء، من أجل نوم عميق للطفل.
وأشارت الطبيبة، إلى أن قلة النوم لا تظهر دائما في صورة النعاس، فقد تظهر عند الطفل في شكل عصبية وسرعة غضب وبكاء، وصعوبة في التركيز وتراجع في القدرة على التحكم في السلوك، كما ترتبط قلة النوم بمشكلات في الانتباه، التعلم، الذاكرة والصحة النفسية، مؤكدة أن النوم غير الكافي لدى الأطفال والمراهقين، يرتبط بمشكلات في الانتباه والسلوك والتعلم والذاكرة، إلى جانب ارتباطه بعدد من المخاطر الصحية، وهذا يجعل مراقبة نوم الطفل قبل بداية العام الدراسي، جزءا من متابعة صحته وليس مجرد وسيلة لضمان وصوله إلى المدرسة في الموعد.
لا تبدو علاقة النوم بالتحصيل الدراسي مجرد انطباع شائع لدى الأساتذة والآباء، فقد أكدت الطبيبة، أن هناك علاقة بين النوم والأداء المدرسي لدى الأطفال والمراهقين، وهناك ارتباط بين جودة النوم والأداء الدراسي، وبين مدة النوم والنتائج الدراسية، وهو ما يدفع إلى النظر للنوم كأحد العوامل التي تساعد الطفل على الاستفادة من يومه الدراسي. وشددت محدثة "المساء"، على أنه لا يمكن تحميل الطفل وحده مسؤولية اضطراب نومه، فالأسرة نفسها تلعب دورا أساسيا في تحديد إيقاع الحياة اليومية، وعندما تكون ساعات النوم والاستيقاظ غير منتظمة، وفي حال كان الهاتف جزءا ثابتا من روتين الليل، يصبح من الصعب مطالبة الطفل بالانضباط صباحا، مؤكدة أن انتظام موعد النوم يرتبط بعادات الأسرة وبالظروف اليومية المحيطة بالطفل، لتكون الأجواء مهيأة لنوم عميق ومفيد لصحة الطفل والكبير على السواء.