جلسات صحراوية في قلب الشمال
محلات الشاي تخطف زبائن المقاهي في الجزائر
- 225
كمال لحياني
لجأ عشرات الشباب القاطنين بالمناطق والولايات الصحراوية، إلى الاستثمار في نشاط بيع الشاي والمشروبات الصحراوية المشهورة، ومختلف المكسرات والحلويات التقليدية، عبر إقامة خيمات ومحلات متخصصة بباقي ولايات الوطن، خاصة بالمناطق الشمالية.
أدى التوافد الكبير على محلات بيع الشاي الصحراوي، من طرف سكان المناطق الشمالية للجزائر، خلال السهرات الليلية، إلى تشجيع الشباب القاطنين بالمناطق الصحراوية، على غرار تمنراست وبشار ووادي سوف وأدرار، إلى الاستثمار في مجال بيع الشاي والمكسرات، وفتح محلات تشبه الخيمات الصحراوية، التي تستقبل فيها العائلات الصحراوية ضيوفها.
فبعد أن كان النشاط يقتصر في البداية، على استئجار محلات صغيرة وبيع الشاي وبعض المكسرات والمشروبات الصحراوية المتميزة، وذات الفائدة الصحية، تطور النشاط بعد نجاح الفكرة واكتساب المئات من الزبائن، وإدمانهم على هذه المشروبات، فاغتنم أصحاب الفكرة هذه الفرصة، وأضحى البحث عن محلات كبيرة وطوابق بأكملها، لتحويلها إلى ما يشبه خيمة أو صالون صحراوي، مزين بمختلف الأثاث والأدوات التي تعبر عن تراث الجنوب، مع جلسة وموسيقى صحراوية خاصة، ترحل بالزبون إلى متعة الرمال والسياحة الصحراوية.
خلطة سحرية للشاي الصحراوي
لمعرفة سر مذاق الشاي الصحراوي، الذي أدمن عليه الكثير من الجزائريين في الآونة الأخيرة، اقتربنا من كريم، شاب في الأربعينات من العمر، ينحدر من منطقة تيميمون الصحراوية، ويملك محلا بمنطقة تافزة بمدينة تيبازة، حيث قال، إن طريقة تحضير الشاي تكون بطريقة خاصة، حيث يتم ملء إبريق صغير بالماء وخلطه مع الشاي، دون إضافة النعناع وتركه على نار هادئة لمدة 15 دقيقة، ويتم تصفيته، ليعاد طهيه لمدة 15 دقيقة أخرى، على نار هادئة دائما، لكن بإضافة النعناع، هذه المرة، لتتم العملية للمرة الثالثة على نفس الطريقة، ويُخلط الشاي الأول والثاني والثالث مع بعضه، حتى يكتسب نكهة خاصة. يؤكد كريم، أن السر يكمن في وقت الطهي الذي يتجاوز 45 دقيقة، والنار الهادئة، ونوعية الشاي، وطريقة التحضير، فحلاوة المذاق ونكهته الخاصة، يجعل الزبون يدمن على شربه يوميا، وتنسيه التوجه إلى المقاهي العادية.
مكسرات وحلويات لا يقاوم سحرها
تفنن الشباب الصحراوي في تحضير المكسرات والحلويات، فسمير، شاب من ولاية بشار الجنوبية، وأحد الناشطين في مجال السياحة الصحراوية، وصاحب محل كبير لبيع الشاي والمكسرات بمنطقة شرشال، حوله إلى ما يشبه الخيمة الصحراوية، حيث قام بتزيينه بالأثاث الصحراوي، وتغطية السقف بغطاء صحراوي مشهور يسمى “الحنبل”، يشعرك بمجرد دخولك إليه، أنك في بيت صحراوي، أو في منطقة صحراوية بتاغيت أو الأهقار السياحية.
خاصة مع نغمات الموسيقى الصحراوية، التي ترحل بك بعيدا في أعماق الصحراء، وتعطيك السكينة والمتعة في شرب الشاي مع المكسرات، وأنت جالس على الأرض التي افترشها بزرابي وأفرشة ووسائد مغلفة ومزخرفة بالألوان الصحراوية، ناهيك عن الأثاث والتراث المادي الموجود داخل المحل، الذي يزيد في المتعة وجمالية الجلسة.
يضيف سمير في حديثه لـ«المساء”؛ “نحاول أن نوفر كل ما يحتاجه الزبون من مكسرات وحلويات مختلفة المذاق والشكل والتركيبة، إضافة إلى توفير كل وسائل الراحة، خاصة وأن محلاتنا زادت شهرة في الآونة الأخيرة، فأصبح البعض يقصدوننا من البلديات والمناطق المجاورة، أما في فصل الصيف، وباعتبار أن المنطقة سياحية، نقوم بتنظيم جلسات ليلية موسيقية خاصة، بحضور بعض الفنانين الصحراويين والفرق الموسيقية، من أجل ضمان الفرجة والمتعة، وجلب أكبر عدد من الزبائن والتعريف بالثقافة الصحراوية”.
من خيمة لبيع الشاي إلى مقهى أدبي
في منطقة بوزريعة، بأعالي العاصمة الجزائرية، وبالقرب من جامعة الجزائر (2) “بلقاسم سعد الله”، لجأ مبارك سلطاني وشقيقه المنحدران من منطقة أدرار، بأقصى الجنوب، إلى تحويل محل، كان في وقت غير بعيد، متخصصا في بيع الشاي والمكسرات فقط، إلى مقهى أدبي بجلسة صحراوية.
حيث اغتنما فرصة توافد المئات من الطلبة والأساتذة والباحثين الجامعيين، على المطاعم القريبة منهم، وبعض المحلات المتخصصة في النسخ وبيع الكتب العلمية، وقاما بتحويل محلهم إلى مقهى أدبي، وإنشاء مكتبة صغيرة، مع توفير خدمة الأنترنت، فامتزجت الأصالة بالمعاصرة داخل المقهى، ونجح الشقيقان في جلب الزبائن المثقفين الباحثين عن فضاءات لتبادل الأفكار والمطالعة من جهة، والاستمتاع باحتساء الشاي بالمكسرات، من جهة أخرى. ويقول مبارك، إن محله يحتضن في الكثير من الأحيان، جلسات فكرية وندوات علمية صغيرة، حيث يعكف الأساتذة والتنظيمات الطلابية، على مناقشة مختلف القضايا الراهنة، في مكان هادئ، بمنحهم الإلهام وبلورة الأفكار الإيجابية، بعيداً عن الضوضاء.
المقاهي العادية تفقد زبائنها
من خلال حديث “المساء” مع مختلف الزبائن، الذين التقتهم بمحلات الشاي، أجمع هؤلاء أن توافدهم على المقاهي العادية، أصبح للضرورة فقط، بل هناك من هجرها للأبد، خاصة وأن هذه الأخيرة، تغلق أبوابها باكرا في الفترة الليلية، فيما تبقى محلات الشاي تزين سهرتهم، خاصة بعد صلاة العشاء.
فتحولت هذه المحلات إلى مكان للمواعيد، وتبادل الحديث أو قضاء مختلف المصالح اليومية، وحتى التعاملات التجارية في بعض الأحيان، حيث يقول نسيم بن فرفود، أستاذ جامعي، أنه أصبح مدمناً على شرب الشاي الصحراوي بمحله المفضل، إضافة إلى احتساء مشروب “تاكراويت”، المنعش والصحي، المصنوع من مختلف الأعشاب الصحراوية، بعد أن كان في وقت سابق، مدمناً على القهوة، التي سببت له مضاعفات صحية، من جهة، ولم يكن يحس بالراحة في جلسته، بسبب الضوضاء الكبيرة داخل المقهى.
يشاطره الرأي زكريا، وهو مقاول، أكد بدوره على الخصوصية المتميزة لهذه المحلات بطابعها الصحراوي، التي توفر بعض المشروبات والمأكولات غير الموجودة في المقاهي العادية. من جهة أخرى، يقول سالم سايح، صاحب مقهى بمدينة العفرون، إن تجارته تأثرت كثيرا، باعتبار أن الزبائن أصبحوا يفضلون التوجه إلى محلات الشاي، بدل المقاهي، الأمر الذي جعله يغلق أبواب المقهى باكرا، عكس السنوات الماضية، مؤكدا أن محلات الشاي غزت كل الولايات، وعرفت شهرة كبيرة، وفرضت نفسها في الآونة الأخيرة بقوة.
التسويق الثقافي وحب الاكتشاف
في هذا الإطار، يقول المختص في علم الاجتماع الثقافي، والأستاذ بجامعة تيبازة، حليم مصطفي، إن هذه الظاهرة سببها حب الاكتشاف التي يتميز به الفرد الجزائري، خاصة أن أبناء الشمال، ممن لم تسعفهم الظروف لتجريب السياحة الصحراوية، يحاولون الرحيل إلى عمق الصحراء، عبر جلسات مميزة داخل هذه الخيمات. كما أضاف المتحدث، أن الشباب الصحراوي نجح في تسويق ثقافته، ونقلها إلى منطقة الشمال بطريقة رائعة ومميزة، وتبرز حب الفرد الصحراوي في فرض ثقافته وشخصيته وتراثه، بعد أن عاش التهميش في حقب تاريخية سابقة.