انتقلن من فرنسا إلى بني حواء في القرن التاسع عشر

"ماما بينات".. قصة 7 راهبات هولنديات عشقن ديار المسلمين في الجزائر

"ماما بينات".. قصة 7 راهبات هولنديات عشقن ديار المسلمين في الجزائر
  • 171
كمال لحياني كمال لحياني

باخرة رماها القدر في ركن ساحر من الجزائر، على سفوح سلسلة جبال الأطلس التلي، حيث تفصل الطبيعة بين ولايتي تيبازة والشلف، تتربع مدينة "بني حواء"، وكأنها لوحة فنية رسمتها يد الخالق، تجمع بين سحر الساحل الأخّاذ، وهدوء الغابات الصنوبرية، لتخلق متنفسا طبيعيا يأسر القلوب قبل الأبصار. وما زاد هذا المكان رونقا وجمالا، تلك الأساطير التي تتناقلها الأجيال، وعلى رأسها قصة "أم البنات"، أو كما عرفت لاحقا بـ"ماما بينات"، ذلك الضريح، الذي يحمل في جوفه حكاية راهبات هولنديات، اخترن العيش في الجزائر مع مطلع القرن التاسع عشر.

في الخامس عشر من جانفي عام 1802، أبحرت الباخرة العسكرية الفرنسية "البنال" من ميناء تولون الحربي، تحمل على متنها أكثر من 200 بحار و350 عسكري، إضافة إلى عدد من النساء المكلفات بأعمال الطبخ والتمريض والتنظيف، وكان بين هؤلاء النساء، سبع راهبات هولنديات، كبيرتهن "جيان" التي ستصبح قلب الأسطورة ونبضها. كانت الباخرة ضمن أسطول حربي، جهّزه نابليون بونابارت، يضم ثلاث سفن أخرى، وعلى متنه حوالي 20 ألف جندي، متجهة إلى منطقة سان دومينيك في جزر الكاريبي. كانت المهمة نجدة القوات الفرنسية المحاصرة هناك، والقضاء على اللواء "توسان لوفارتور" الذي قاد تمردا ضد سلطة نابليون.

القدر كان له رأي آخر!

في ليلة شتوية عاصفة، ضلت السفينة طريقها وسط أمواج البحر الأبيض المتوسط الهائجة، حيث يحكي الباحث في التاريخ، إبراهيم خضراوي، لـ«المساء"، أن الباخرة التي عصفت بها رياح قوية وضباب كثيف، حاولت التوجه إلى خليج صغير، لكنها ارتطمت بالصخور وغرقت، وما إن رأى سكان المنطقة السفينة المنكوبة، حتى انطلقوا بزوارقهم الصغيرة، ولكن ليس للنجدة، بل للاستيلاء على ما تبقى من غنائم، وفقا للأعراف السائدة آنذاك. وتم احتجاز الناجين من الجنود والرهائن، ليتدخل الداي مصطفى، حاكم وهران، بعد رسالة عاجلة من نابليون، وينقلهم في رحلة استمرت 12 يوما إلى ميناء وهران، تمهيدا لإعادتهم إلى فرنسا عبر إسبانيا.

حين اختارت الراهبات البقاء في بلاد الإسلام

اختلفت الروايات حول العدد الدقيق للراهبات، بعضها تقول سبع، وبعضها تقول تسع، لكن الجميع يتفق على أن هؤلاء النسوة، بعد نقلهن من شاطئ وادي قوسين إلى مركز مدينة بني حواء (على بعد 15 كيلومترا)، اتخذن قرارا غير متوقع، وهو البقاء، بعد أن وجدن في هذه الديار ما لم يجدنه في أي مكان آخر، من كرم ضيافة لا يضاهى، وترحابا صادقا، وقلوبا مفتوحة تأقلما مع العادات والتقاليد، وطابت لهن الإقامة في دار الإسلام، فاعتنقن الدين الحنيف وتزوجن من رجال المنطقة. أما "جيان"، الأم الكبرى بينهن، والتي لقبت بـ"ماما بينات"، فتزوجت من أحد قادة المنطقة، ونالت مكانة رفيعة، حتى صارت عضواً في مجلس حكماء المنطقة.

ملاك جاء من وراء البحر

لم تنس "ماما بينات"، الجميل لأهل بني حواء، فأرادت أن ترد العطاء بأضعافه، فتتجمع النسوة الهولنديات مع نساء القرية كل مساء، وشرعت تعلمهن فنونا لم تكن معروفة في تلك الحقبة، كغزل الصوف، التمريض، التجميل، فنون الطهي، وحرفا يدوية أخرى. كانت تنقلهن من حياة بدائية إلى آفاق جديدة من الحضارة. أما خبرتها في التمريض، فجعلتها طبيبة المنطقة بامتياز، حيث كانت تداوي الأمراض بالأعشاب ومياه البحر، وكانت سبّاقة في استخدام العلاج بمياه البحر، حيث كانت تأخذ النساء اللواتي يعانين من صعوبات في الولادة إلى شاطئ البحر، معتقدة أن ملوحة الماء تقوي الرحم وتساعد على نمو الجنين.

يقول الأمين العام للجمعية الثقافية "تيفاوين"، بوعلام خديمي لـ"المساء"، أن "ماما بينات" كانت أول من طبّق هذا الأسلوب، وهو ما أثبتته الأبحاث الطبية الحديثة لاحقا. كما عالجت آلام المفاصل والعظام بمياه البحر، وما زالت الأعشاب التي استخدمتها في منطقة "بيسة" الجبلية، مقصدا للباحثين في الطب الطبيعي لعلاج أمراض القولون والمعدة والأطفال.

من امرأة فاضلة إلى وليّة صالحة

وصلت مكانة "ماما بينات"، إلى درجة التقديس، حين تبرعت بمساحة كبيرة من أرض زوجها، لتكون مقبرة للمسلمين. كما بنى لها أهل المنطقة ضريحا سنة 1936، أصبح معلما أثريا وتاريخيا، وكُتب على مدخله "هنا ترقد "ماما بينات" مع رفيقاتها المتدينات، اللواتي نجون من غرق باخرة البنال". وحتى اليوم، ما زالت النساء يقصدن الضريح قبل زواجهن، طلباً لبركة "الأم"، وحتى بعد الزواج، من واجب العروس زيارة الضريح وأخذ حفنة من ترابه، والتأمل فيها، فإن تحركت التربة، فهذا دليل على رضا "ماما بينات"، وبشرى بالذرية الصالحة.

مكان يقدسه التجار أيضا!

لم يغفل المعمر الفرنسي "بورتوروتي"، الذي استولى على معظم أراضي بني حواء، عن قدسية المكان. بعد زلزال 1954 الذي هدم الضريح، حيث أعاد بناءه، وغرس بجواره أشجار التين والتين الهندي مستوردة من إيطاليا. ونشر إشاعة بأن هذه الأشجار مقدسة، مثل "ماما بينات"، لأنها جاءت من وراء البحار، واستغل ذلك لإنشاء مصنع لمربى التين، أطلق عليه "مربى ماما بينات"، محوّلاً القداسة إلى تجارة رابحة!

حكاية تنتظر أن تُروى على الشاشة

يرى بوعلام خديمي، أن هذه القصة، بما تحمله من روايات متشابكة ومصادر تاريخية، تستحق أن تتحول إلى عمل درامي، أو فيلم سينمائي. فهي تخلد لفترة تاريخية مهمة من عمر البحر الأبيض المتوسط، والجزائر تحديدا، قبل سنوات قليلة من الاحتلال الفرنسي، فهي فرصة ثمينة للترويج للسياحة التاريخية، بما تحمله من أحداث مشوقة وسيناريوهات آسرة، تجمع بين الرحلات البحرية، العواصف، الحب، الهجرة، والتسامح الديني في أبهى صوره. هكذا تبقى "ماما بينات"، رمزا للتسامح والتعايش، وقصة حب جمعت بين شواطئ هولندا وجبال الجزائر، لتصبح أسطورة ترويها الأجيال، وضريحا يزوره العشاق، ومعلما يخلد لعلاقة إنسانية فريدة، تجاوزت حدود الزمان والمكان.