بين إغراء المتاجر وراحة النفس
لماذا لا ينتهي شغف النساء بالتسوق؟
- 183
نور الهدى بوطيبة
لم يعد التسوق، اليوم، مجرد وسيلة لاقتناء الاحتياجات اليومية، بل تحول، مع مرور السنوات، إلى تجربة اجتماعية ونفسية وثقافية، تحمل في تفاصيلها الكثير من المعاني. فهو بالنسبة للبعض، مساحة للترفيه وكسر روتين الحياة، وبالنسبة لآخرين، وسيلة للتعبير عن الذوق والشخصية، بينما تراه فئة ثالثة، فرصة لاكتشاف الجديد ومواكبة التغيرات التي يشهدها عالم الأزياء والديكور والجمال والأكسسوارات، وغيرها من المجالات التي تجذب اهتمام النساء بمختلف أعمارهن وبيئاتهن الاجتماعية. فبين رفوف المتاجر، وأسواق الأحياء الشعبية، والمراكز التجارية الكبرى، وحتى المنصات الإلكترونية، تنسج كل امرأة علاقتها الخاصة مع التسوق؛ علاقة تختلف في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند متعة واحدة، وهي البحث عن شيء يبعث على الرضا والسعادة، ولو للحظات لا يمكن شرحها أحيانًا، إلا بين بعض "المهووسات بالتسوق".
اللافت اليوم، في عشق النساء للتسوق، أنه لم يعد مرتبطًا بمستوى اجتماعي معين، أو بدخل محدد، إذ أن هذه الظاهرة تكاد تكون حاضرة لدى مختلف الفئات، فلكل امرأة طريقتها الخاصة في ممارسة هذه الهواية، وفقا لإمكاناتها واهتماماتها. فمنهن من تفضل اقتناء الملابس، وأخريات يجدن متعتهن في شراء الأواني المنزلية أو مستلزمات المطبخ، بينما تنجذب أخريات إلى الأكسسوارات والعطور ومستحضرات التجميل. وهناك من ترى، أن أجمل استثمار هو تجديد ديكور المنزل أو اقتناء قطعة أثاث، تضفي لمسة جديدة على المكان، في حين تستهوي أخريات المعادن الثمينة. في جميع الحالات، يبقى التسوق تجربة تتجاوز فكرة الإنفاق، لتلامس جوانب نفسية واجتماعية، تعكس طبيعة الإنسان واحتياجاته، خصوصًا لدى المرأة.
وفي جولة بين عدد من النساء في أسواق العاصمة، بدا واضحًا أن لكل واحدة حكايتها الخاصة مع التسوق. فقد قالت سيدة في الثلاثينات، مبتسمة، إنها تستطيع مقاومة أي شيء، لكنها لا تستطيع مقاومة حقيبة يد جميلة، إذا وقعت عيناها عليها، مضيفة أن مجرد التجول بين المحلات يمنحها شعورًا بالراحة، حتى لو عادت إلى المنزل من دون شراء أي شيء.
من جهتها، أكدت شابة جامعية، أن اهتمامها يرتكز على الأكسسوارات، لأنها تضيف لمسة مميزة إلى إطلالتها، من دون أن تثقل ميزانيتها. بينما ترى ربة بيت، أن الأواني المنزلية والأدوات العملية هي أكثر ما يجذبها، وتقول مازحة، إن دخولها إلى متجر للأواني يشبه دخول طفل إلى مدينة ألعاب، فلا تعرف من أين تبدأ ولا متى تنتهي جولتها. في المقابل، تحدثت سيدة أخرى عن عشقها لديكور المنزل، معتبرة أن تغيير وسادة أو ستارة أو إضافة لوحة جدارية، قد يمنح البيت روحًا جديدة، ويغير مزاج أفراد الأسرة بأكملها. ويعكس هذا التنوع في الاهتمامات، أن التسوق ليس قالبًا واحدًا، بل عالم واسع، يجد فيه كل شخص ما ينسجم مع ميوله واهتماماته.
..يمنح شعورا بالسعادة
عن هذا الموضوع، حدثنا نذير حديد، أستاذ علم النفس، حيث أكد أن دراسات عديدة في علم النفس الاستهلاكي، تشير إلى أن عملية التسوق قد ترتبط بتنشيط مراكز المكافأة في الدماغ، نتيجة الشعور بالتوقع والحماس قبل الشراء، وهو ما يفسر شعور كثير من الناس بالسعادة، أثناء البحث عن المنتجات واختيارها، حتى قبل إتمام عملية الشراء نفسها. وأضاف أن التسوق قد يمنح شعورًا بالسيطرة واتخاذ القرار، الأمر الذي يساعد بعض الأشخاص على تحسين حالتهم المزاجية بصورة مؤقتة، لكنه قد يتحول لدى فئة قليلة إلى سلوك اندفاعي، إذا فقد الشخص قدرته على التحكم في الإنفاق.
ويشرح المختص في علم النفس، أن انجذاب النساء إلى التسوق لا يمكن اختزاله في فكرة حب الشراء فقط، بل يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والانفعالية والاجتماعية. ويؤكد أن التسوق يمثل لدى كثيرات، مساحة للاسترخاء والتجديد والخروج من ضغوط الحياة اليومية، كما يمنح شعورا بالإنجاز عند العثور على قطعة مناسبة، أو الحصول على عرض جيد. وأضاف أن الدماغ يفرز مواد كيميائية مرتبطة بالشعور بالمتعة، عند توقع الحصول على مكافأة، لذلك يشعر الإنسان بالحماس أثناء التسوق.
ويرى حديد، أن المشكلة لا تكمن في حب التسوق بحد ذاته، وإنما في فقدان التوازن والتحكم في النفس، واقتناء منتجات لا حاجة إليها أو بشكل متكرر، إلى حد التبذير والإسراف. فعندما يصبح الشراء الوسيلة الوحيدة للهروب من التوتر أو الحزن، قد يتحول إلى عادة مرهقة ماديًا ونفسيًا. لذلك يبقى الاعتدال والقدرة على تنظيم الميزانية، العامل الأهم للاستفادة من هذه المتعة، من دون الوقوع في سلبياتها.
وسائل التواصل والإعلان الرقمي وسعا دائرة الخيارات
من جانبها، ترى مروة محمودي، أستاذة علم الاجتماع، أن ظاهرة عشق النساء للتسوق، تعكس تحولات اجتماعية وثقافية، شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، فالمرأة اليوم، أصبحت أكثر حضورًا في سوق العمل وأكثر استقلالية ماديًا، وبالتالي أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها الاستهلاكية. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي والإعلان الرقمي، أسهما في توسيع دائرة الخيارات، وخلق اتجاهات جديدة في عالم الموضة والديكور والجمال.
وتوضح المختصة قائلة "إن اختلاف ميول النساء أمر طبيعي، فكل واحدة تعبر عن شخصيتها بطريقة مختلفة؛ فهناك من تجد ذاتها في تنسيق الملابس، وأخرى في تجميل منزلها، وثالثة في جمع الأكسسوارات أو الكتب أو النباتات المنزلية، وأخريات مثلًا، في اقتناء المعادن الثمينة، وجميعها أشكال من التعبير عن الذوق والهوية الشخصية". وأشارت إلى أن المجتمع، لم يعد ينظر إلى التسوق باعتباره مجرد إنفاق، بل أصبح جزءًا من نمط الحياة الحديثة ومن أساليب التفاعل الاجتماعي، حيث تتحول جولة التسوق في كثير من الأحيان، إلى مناسبة للقاء الصديقات أو قضاء وقت ممتع مع أفراد العائلة، حتى وإن انتهت في الأخير من دون مشتريات.
وتضيف أن التسوق لغة يومية مشتركة، تتحدث بها النساء بطرق مختلفة، ويتقاسمن بهجته أحيانًا مع الصديقات أو العائلة، أو حتى زميلات العمل. لذلك يبدو الرجل خارج نطاقها، وكأنه لا يفهم شعورها، حسب تعبير الخبيرة. وأكدت المتحدثة، أن منهن من تبحث عن قطعة تعبر عن شخصيتها، ومنهن من تجد سعادتها في كوب جديد للمطبخ، أو بساط جديد، أو ملابس لأطفالها، أو حتى منتجات غذائية. وبين كل تلك الاختيارات، تتكرر الحقيقة نفسها، وهي أن قيمة التسوق لا تقاس دائمًا بما يُدفع مقابل اقتنائه، بل بما يتركه من إحساس بالرضا والتجدد.