العطلة الصيفية في قبضة الشاشات

كيف يخطف الهاتف طفولة أبنائنا؟

كيف يخطف الهاتف طفولة أبنائنا؟
  • 281
 نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع كل عطلة صيفية، يتغير روتين الحياة داخل البيوت، فتغلق المدارس أبوابها، ويتحرر الأطفال من الالتزامات اليومية، غير أن هذا الوقت، الذي يفترض أن يكون مساحة للراحة واللعب واكتشاف المواهب، يتحول عند كثير من الأسر، إلى موسم طويل، تقضيه أعين الصغار أمام شاشات الهواتف المحمولة والألواح الإلكترونية، حتى أصبح مشهد الطفل المنعزل، وهو يحدق لساعات في شاشة صغيرة، أمرا عاديا لا يثير الانتباه، رغم ما يخفيه من آثار صحية ونفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات. وبين رغبة الأولياء في إشغال أبنائهم، وضغط الحياة اليومية، وسهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي، يجد كثير من الأطفال أنفسهم غارقين في عالم افتراضي، يسلب منهم متعة الصيف الحقيقية، ويعيد تشكيل عاداتهم وسلوكياتهم نحو ممارسات سلبية، وكل ذلك في صمت تام.

لم يعد الحديث عن إدمان الشاشات مجرد تخوف مبالغ فيه، بل أصبح قضية اجتماعية وصحية تستدعي وقفة جادة، خاصة في ظل التحذيرات المتكررة التي تصدرها الهيئات الطبية العالمية، والتي تشير إلى أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، يرتبط باضطرابات النوم، وضعف النشاط البدني، وتراجع التركيز، وارتفاع معدلات القلق، إلى جانب تأثيره في مهارات التواصل الاجتماعي لدى الأطفال. ومع غياب الرقابة في كثير من الأحيان، تتحول العطلة الصيفية من فرصة لبناء الذكريات الجميلة، إلى فترة يزداد فيها تعلق الطفل بالهاتف، ويصعب بعدها إعادته إلى نمط حياة متوازن مع بداية الموسم الدراسي.

في هذا السياق، حدثنا عماد حمدان، طبيب مختص في طب الأطفال، قائلا إن ما يثير القلق ليس استخدام الهاتف في حد ذاته، وإنما طول المدة التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، ونوعية المحتوى الذي يتابعه، وطريقة تعامل الأسرة مع هذا الاستخدام، موضحا أن الطفل في سنواته الأولى، يكون في مرحلة حساسة من النمو، يحتاج فيها إلى الحركة، والتفاعل المباشر، واللعب الواقعي، والتواصل مع أفراد العائلة، وهي عناصر لا يمكن أن تعوضها أي شاشة، مهما كانت جيدة.

وقال الطبيب، إن كثيرا من الأولياء يعتقدون أن الهاتف وسيلة فعالة لإبقاء الطفل هادئا، لكنه يتحول مع مرور الوقت، إلى وسيلة يعتمد عليها الطفل بشكل يومي، حتى يصبح من الصعب الاستغناء عنه، وعند محاولة سحب الهاتف، تظهر عليه علامات الانزعاج والعصبية والبكاء، وأحيانا نوبات الغضب، وهي مؤشرات تدل على تعلق مفرط، يستوجب التدخل المبكر قبل أن يتفاقم الوضع.

وأضاف، أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن التعرض المفرط للشاشات، يرتبط أيضا بانخفاض جودة النوم، بسبب الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة الإلكترونية، والذي يؤثر في إفراز هرمون النوم الطبيعي، وهو ما ينعكس على نشاط الطفل خلال النهار، وقدرته على التعلم، ومزاجه العام. كما أن الجلوس لساعات طويلة يقلل من الحركة البدنية، ويرفع احتمال زيادة الوزن، ويؤثر في صحة العينين والعمود الفقري، خاصة مع الاستخدام المتواصل للهاتف في أوضاع جلوس غير سليمة.

وأوضح الطبيب أن الطب الحديث يوصي بوضع حدود واضحة لوقت استخدام الشاشات، مع الحرص على أن تكون هناك فترات خالية تماما من الهواتف، خصوصا أثناء تناول الطعام وقبل النوم، وأن يكون المحتوى مناسبا لعمر الطفل، مع مشاركة الوالدين في اختيار ما يشاهده، وعدم تركه يتنقل بحرية بين التطبيقات والمنصات. كما تشدد منظمة الصحة العالمية، حسب الخبير، على ضرورة حصول الأطفال على وقت كاف من النشاط البدني، وألا يحل الجلوس أمام الشاشات محل اللعب، أو التواصل مع أفراد الأسرة، أو النوم الصحي.

ويرى المختص، أن العطلة الصيفية تمثل فرصة ثمينة لإعادة التوازن إلى حياة الطفل، من خلال تشجيعه على ممارسة الرياضة، والقراءة، والرسم، والرحلات العائلية، والألعاب الجماعية، والأعمال اليدوية، وغيرها من الأنشطة النافعة، وهي أنشطة تساهم في تنمية شخصيته، وتعزز ثقته بنفسه، وتفتح أمامه أبوابا جديدة للإبداع، بعيدا عن العالم الافتراضي. كما دعا الأولياء إلى أن يكونوا قدوة لأبنائهم، لأن الطفل يقلد ما يراه أكثر مما يستجيب لما يسمعه، فمن الصعب مطالبة الطفل بالتقليل من استخدام الهاتف، بينما يقضي أفراد الأسرة معظم أوقاتهم أمام الشاشات. ويؤكد المختص، أن الحوار مع الطفل يبقى الوسيلة الأكثر فاعلية، فبدل المنع المفاجئ، ينبغي شرح أسباب تنظيم وقت استخدام الهاتف، وإشراكه في وضع برنامج يومي يوازن بين الترفيه، والنشاط البدني، والراحة، والزيارات العائلية، حتى يشعر بأن الأمر يتعلق بحماية صحته، وليس بحرمانه من المتعة.

وتشير بيانات صادرة عن منظمة الصحة العالمية، يقول حمدان، إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات في مرحلة الطفولة، يرتبط بعدد من المشكلات الصحية والسلوكية، وهو ما يدفع المختصين في مختلف دول العالم، إلى الدعوة لاعتماد الاستخدام المعتدل، وتعزيز الأنشطة الواقعية التي تساعد الطفل على النمو الجسدي والعقلي والاجتماعي بشكل سليم. وأكد أن مسؤولية حماية الأبناء من الوقوع في الاستخدام المفرط للهواتف، هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، مشيرا إلى أن الطفل الذي يجد من يصغي إليه، ويلعب معه، ويشاركه تفاصيل يومه، لن يبحث طويلا عن بديل داخل شاشة صغيرة، داعيا إلى مرافقة الأطفال وتوجيههم نحو حياة أكثر توازنا وصحة.