في غياب الوعي والتوجيه الأسري
فضاءات الترفيه تحت رحمة عبث الأطفال
- 113
نور الهدى بوطيبة
أصبحت مظاهر التخريب في أماكن اللعب والترفيه خلال السنوات الأخيرة ووسط جيل اليوم، سلوكا يلفت الانتباه عند عدد متزايد من الأطفال؛ فلم يعد الكسر أو الإفساد يُنظر إليه كتصرف خاطئ بقدر ما يمارَس بعفوية، ودون إحساس بالعواقب. هذا الواقع يثير قلق الأسر والمجتمع على حد سواء، لأن الطفل في جوهره لا يميل إلى الفساد، بل يتأثر بما يحيط به، وبالطريقة التي يوجَّه بها. وعندما يغيب التوجيه أو يضعف تظهر سلوكيات غير منضبطة، تمس الممتلكات العامة، وتفرغ اللعب من معناه التربوي.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين نلاحظ أن كثيرا من الأولياء لم يعودوا يتدخلون لتصحيح مثل هذه التصرفات؛ إما بدافع الانشغال، أو بدافع التساهل، أو لاعتقادهم أن الطفل "سيتعلم وحده" ، والأمر لا يتطلب إلا القليل من الوقت. غير أن الطفل لا يكتسب، في الحقيقة، احترام الحدود تلقائيا، بل يتعلمه من خلال المرافقة اليومية، والكلمة الواضحة، والنصيحة الجدية. ومن هنا يصبح من الضروري التوقف عند هذه السلوكيات، لا بهدف الاتهام أو التعميم، بل لفهم أسبابها الاجتماعية، والتربوية.
وحول هذا الموضوع كان لـ"المساء" حديث مع بدر الدين عرباوي، خبير اجتماع، الذي أكد أن الطفولة هي المرحلة التي تتشكل فيها القيم الأولى للإنسان، وفيها يتعلم الطفل معنى اللعب، والحدود، واحترام ما هو مشترك بينه وبين الآخرين. غير أنه خلال السنوات الأخيرة شهد المجتمع انتشار سلوكيات تخريبية من بعض الأطفال أثناء اللعب أو الاستكشاف، حيث يتحول الفضول الطبيعي إلى كسر وتدمير، كما يتحول اللعب من متعة بريئة إلى أذى للمكان وللآخرين. وأضاف المختص أن هذه الظاهرة لم تعد حالات معزولة، بل أصبحت ملاحظة في الحدائق، والمدارس، والأماكن الترفيهية؛ ما يطرح تساؤلات جدية حول أسبابها، ودور الأولياء في مواجهتها.
وشدد المختص الاجتماعي على أن في الماضي القريب كان الطفل ينبَّه سريعا إذا أخطأ. وكان الولي حاضرا بسلطته التربوية، وبقدوته اليومية، فيعرف الطفل أنّ هناك حدوداً لا يجدر به أن يتجاوزها. أما اليوم ـ يضيف ـ "فقد خفَّ هذا الحضور في كثير من الحالات، إما بسبب ضغوط الحياة، أو الانشغال المستمر، أو الاعتقاد الخاطئ بأن ترك الطفل على راحته هو شكل من أشكال الحب"، مردفا: "هذا التراخي لا يعني أن الأولياء لا يهتمون بأبنائهم، بل يعني أحيانا أنهم فقدوا أدوات التوجيه، أو ترددوا في النهي؛ خوفا من الصدام، أو تحت تأثير أفكار تربوية غير متوازنة تفصل بين الحرية والانفلات".
وأوضح محدث "المساء" أن التخريب عند الأطفال لا يولَد من فراغ، بل هو سلوك مكتسب، يتغذى من المحيط. فالطفل الذي لا يرى احتراما للمكان العام ولا يسمع توجيها واضحا ولا يواجه عواقب بسيطة لأفعاله، قد يفسر الصمت على أنه قبول، وأن ما يقوم به أمر طبيعي، مضيفا: "إن اللعب الاستكشافي بحد ذاته، سلوك صحي. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يجد الطفل إطارا يميز فيه بين الاستكشاف الآمن والتعدي على الممتلكات؛ فالكسر والتمزيق يصبحان وسيلة لإثبات الذات، أو لتفريغ طاقة مكبوتة، خاصة في غياب الحوار والتوجيه".
ويشير عرباوي إلى أن بعض الأطفال يعيشون وفرة في الألعاب والأدوات داخل البيت، ما يجعل قيمة الشيء ضعيفة في نظرهم؛ فإذا كسر ممتلكاته لا مشكلة، وإذا خرّبها يمكن تعويضها. وهذا المنطق ينتقل معهم إلى الفضاء العام، حيث لا يشعرون بأن ما حولهم يخص الجميع، فيتعاملون معه بلا مسؤولية. كما إن مشاهدة محتوى عنيف أو فوضوي دون مرافقة تربوية، قد يطبع في أذهانهم فكرة أن التخريب فعل عادي، أو حتى مسلٍّ.
ومن الأمثلة المؤلمة على ذلك ما حدث في حديقة الديناصورات بمتنزه الصابلات، حيث تعرضت مجسمات الديناصورات للتخريب والكسر على يد أطفال أثناء اللعب. هذه المجسمات وُضعت للتعلم، والترفيه، ولتوسيع خيال الطفل ومعرفته، لكنها تحولت إلى ضحية سلوك غير مسؤول. والمؤلم في الحادثة ليس فقط الضرر المادي؛ يشدد عرباوي قائلا: "إن غياب التدخل الفوري من بعض الأولياء وكأنّ ما يحدث أمر عابر، لا يستحق تجاهله! "، مؤكد أن "الطفل لا يولد همجيا، بل يتعلم السلوك الهمجي عندما لا يعلم غيره، وعندما لا يرافَق اللعب بتوجيه هادئ وحازم في آن واحد".
إن معالجة هذه الظاهرة ـ يشدد المحدث ـ "لا تكون بالصراخ، ولا بالعقاب القاسي، بل بإعادة الاعتبار للتربية اليومية البسيطة، القائمة على القدوة، والكلمة الواضحة، والمتابعة المستمرة؛ فالطفل يحتاج إلى أن يفهم لماذا لا يجوز التخريب، وأن يشعر بأن المكان العام بيته الثاني، وأن الحفاظ عليه جزء من احترامه لذاته ولغيره".