حين تقتحم حواء عالم الرجال

فاطمة عدادين .. المرأة التي امتهنت وأجادت دهن السيارات

فاطمة عدادين .. المرأة التي امتهنت وأجادت دهن السيارات
  • 233
كمال لحياني كمال لحياني

❊ شهرة تجاوزت حدود تيبازة ونافست أعرق الورشات

بين روائح الطلاء الحادة وضجيج آلات السمكرة، وسط صفوف السيارات المعطوبة، والعمال ذوي الأيادي الملطخة بالشحم، تقف فاطمة عدادين، المرأة الأربعينية، بكامل هندامها الوقائي، مشغلة بخاخ الطلاء بيد ثابتة، وعين خبيرة، كأنها في هذا المكان منذ الأزل، في مشهد لافت في منطقة قوراية بولاية تيبازة، غرب الجزائر العاصمة، حيث لا تزال ورشات دهن السيارات حكرا شبه مطلق على الرجال.

لم تكن فاطمة يوما تحلم بأن تصبح "دهانة" سيارات، كانت تساعد زوجها وتقف معه وقفة مرأة حديدية، في إدارة الورشة الصغيرة التي يملكها في حي المقبرة بقوراية، فوجدت نفسها تراقب، ثم تجرب، ثم تتقن، زادها الشغف والعشق للألوان منذ الصغر، في التعلق بهذه الحرفة، فأصبحت تحاول في كل مرة، أن تبدع في عملها وتسلم السيارات لأصحابها، في أبهى حلة وألوان لامعة. تقول فاطمة لـ"المساء": "في البداية، كنت أجلب القهوة وأُقف على الأمور المالية ومراقبة المتربصين، لكن يوما ما، أمسكت البخاخ وطلبت من زوجي أن يعلمني... ضحك علي كثيرا، لكنني لم أتوقف، كررت المحاولات، ويوما بعد يوم، كنت أطور مهارتي وأتعلق بالحرفة أكثر فأكثر".

بعد ثلاث سنوات من التعلم الذاتي والمراقبة، اتجهت فاطمة إلى غرفة الصناعة التقليدية والحرف، أين تمكنت من استخراج شهادة التأهيل، وديبلوم مكنها من أن تسوي وضعيتها القانونية اتجاه الحماية الاجتماعية، فزادت الثقة أكثر في نفسها وأصبحت تُشرف على كامل عمليات الطلاء، من إزالة الصدأ وتحضير السطح، إلى اختيار الألوان ومزجها بدقة متناهية، وتبقى لساعات متأخرة، عشقا في مهنتها واتقانا لعملها والتزاما بمواعيد تسليم السيارات للزبائن في وقتها المحدد.

الورشة.. ميدان حرب يومي

كما هو معروف على ورشات طلاء السيارات، ليست فضاء سهلا، خاصة في فصل الصيف، فالحرارة اللاهبة، والغبار، والمواد الكيميائية، والنظرات المتفاجئة للزبائن حين يجدون امرأة هي التي ستعنى بسيارتهم، كثيرون منهم تراجعوا. في البداية تروي فاطمة حادثة فتقول: "جاءني زبون مرة، وقال لي؛ صراحة أنا لا أعطي سيارتي لامرأة. ابتسمت وقلت له: حسنا، لكنه عاد بعد أسبوع، لأن أحد معارفه أخبره بجودة عملي، خاصة في ظل الخداع والتلاعب الذي أصبح يعرف به هذا المجال من طرف الحرفيين الرجال، فالكثير من الزبائن، خاصة النسوة منهم، يفضلون عمل المرأة على عمل الرجل، لأنهم متأكدون أنني أجاهد من أجل إتقان عملي بتفاصيله الدقيقة". أما العمال في الورشات المماثلة بمدينة قوراية، وبعض المناطق المجاورة، فقد تحولت نظرتهم تدريجيا من السخرية إلى الاحترام، بل إن بعضهم بات يستشيرها في مزج الألوان المعقدة.

موهبة تتجاوز الطلاء وتطلعات مستقبلية

ما يميز فاطمة ليس فقط إتقانها للمهنة، بل حسها الفني الاستثنائي، فهي تحفظ أكثر من 100 "كود لوني" عن ظهر قلب، وتستطيع إعادة إنتاج لون سيارة قديمة باهت، بفعل الشمس، لتطابقه بدقة تذهل الخبراء. يقول حمادة بورعدة، أحد زبائنها الأوفياء "أحضرت سيارتي بعد حادثة أتلفت جناحها الأمامي.. فاطمة لم تنظر إلى كود اللون إلا مرة واحدة، وبعد يومين، لم يستطع أحد أن يُفرق بين الجزء المصلح والأصلي."

توجه فاطمة رسالة إلى كل النساء والبنات اللواتي يخشين خوض مجالات "ذكورية"، تضحك، ثم تقول بجدية بأن الفرشاة لا تعرف إن كانت بيد رجل أو امرأة، هي تعرف فقط إن كانت في يد شخص يحب ويعشق ما يفعل. وتستقبل ورشة فاطمة ما يقارب 5 سيارات شهريا، من مختلف بلديات تيبازة، وهي تفكر جديا في توسيع الورشة وفتح قسم متخصص في الرسم الفني على السيارات، وهو مجال لا يزال نادرا في المنطقة، وتطمح إلى تلقي مساعدة من مصالح البلدية أو السلطات الولائية، التي كرمتها واعترفت بموهبتها، بمعية الوزارة الوصية .

الاستيقاظ قبل الفجر وتوفيق بين البيت والورشة

يبدأ يوم فاطمة، حين ينام الآخرون، الخامسة صباحا هو موعدها مع المطبخ، تحضر الفطور، تعد وجبة الغداء مسبقا، وتتأكد من أن أطفالها الثلاثة جاهزون للمدرسة، ثم تودعهم عند الباب، وتتجه مباشرة إلى الورشة التي لا تبعد عن بيتها سوى بدقائق. تقول المعنية بأن "الجيران في البداية، كانوا يتساءلون أين تذهب هذه المرأة كل صباح بهذا الهندام، الآن أصبحوا يفتخرون بي، فقد أثبت مكانتي بهذه الحرفة التي أحاول أن أساعد بها زوجي، وأحسن من دخل العائلة، وأضمن دراسة جيدة لأبنائي، فأنا أكافح من أجل مستقبلهم وراحتهم".

تؤكد فاطمة لـ"المساء"، أن تربية الأبناء والمسؤولية الأسرية، لم تكن يوما عائقا أو عقبة في طريق تحقيق حلمها والنجاح في حرفتها، فأبناؤها الثلاثة يدرسون في الطور الثانوي والمتوسط، وهو ما حررها من البقاء معهم في البيت، نظرا لسنهم المتقدم، فحتى ابنها الأكبر أصبح يساعدها من حين لآخر في الورشة خلال العطل، أما الآخران فلا يعرفان أمهما إلا "قوية"، لكن فاطمة لا تخفي أن اللحظات الصعبة كانت كثيرة، فآلام الظهر باتت رفيقتها الدائمة من الوقوف الطويل، والرئتان تدفعان ثمن سنوات من استنشاق بخار الطلاء، رغم الكمامات الواقية، وأصابعها تحمل علامات حروق صغيرة وجروح خفيفة لا تحصى.

حين تقفل الورشة مساء، وتعود إلى بيتها، لا تُقدَّم لفاطمة ميدالية ولا تصفيق فقط، ثلاثة أطفال ينتظرونها على الباب، ترتاح قليلا، تحاول تدارك ما فاتها من واجبات البيت، وبعد الحادية عشرة ليلا، حين يخلد الجميع للنوم، تجلس مع زوجها لتراجع حسابات الورشة وطلبات الزبائن. وفي زمن يثبت أن المرأة الجزائرية باتت تخترق كل الميادين، تبقى فاطمة من قوراية، نموذجا رائعا، يؤكد أن الإرادة والموهبة لا جنس لهما، وأن أجمل الألوان هي تلك التي يرسمها الإنسان بعرقه وتحدياته.