كنوز ثمينة في طي الإهمال
عندما يتحول سوق "الخردة" إلى متحف مفتوح
- 186
كمال لحياني
في زوايا أسواق "الخردة" الجزائرية، حيث تتراكم القطع المعدنية الصدئة، وتختلط روائح الحديد بعبق الزمن، تختبئ حكايات لا تروى، وكنوز لا تُقدَّر بثمن. فهذه الأسواق، التي يظنها الكثيرون مجرد مكان للبضائع التالفة، هي في الحقيقة متاحف شعبية نابضة بالحياة، تعكس تطور المجتمع الجزائري وتاريخه العريق.
تعتبر أسواق الخردة أيضا، متحفا شعبيا مفتوحا، تعكس ثقافة المجتمع وتطوره عبر الزمن، فهي تجمع بين التجارة والتاريخ، وبين الرغبة في الكسب المادي وحب الاكتشاف وبعض التجار أصبحوا خبراء في تمييز القطع القديمة عن المقلدة، ما جعل السوق مكانا نابضا بالحياة والمفاجآت.
فرغم الصورة التي ارتسمت لدى الجزائريين على أسواق الخردة، أو ما يعرف في الوسط الشعبي بـ"الدلالة"، أنها مكان للأثاث والأدوات والأجهزة المستعملة، إلا أن جوانب وزوايا السوق، أين تتناثر القطع المعدنية والآلات القديمة وتختلط رائحة الحديد بالزمن، يختبئ تاريخ طويل من الحكايات، وماض يحكي قصص لأشياء رافقت الإنسان لزمن طويل، فأصبحت للباحثين عن كنوز الماضي ومحبي التاريخ، أشياء لا تقدر بثمن، يقول الدكتور رشيد زواد، أستاذ علم الاجتماع "أسواق الخردة ليست مجرد فضاءات تجارية، بل مرايا تعكس تحولات المجتمع الجزائري عبر العقود، إنها أماكن تلتقي فيها المصالح الاقتصادية بالشغف التاريخي، ويتداخل فيها البعد الاجتماعي بالثقافي والنفسي."
رحلة عبر الزمن بين أكوام الحديد
في سوق "المكسيك" بمدينة القليعة، غرب العاصمة، يستوقفك مشهد محمد حديدي، وهو يرتب تحفه الفنية بعناية كل يوم جمعة، ورث هذه المهنة عن والده الذي كان يملك محلا عتيقا في تيبازة، لكنه اختار أن يتنقل بالأسواق، ليجد زبائن يقدرون حقا ما يعرضه. «أبيع أشياء لا يعرف كثيرون قيمتها الحقيقية"، يروي حديدي: "فأنا مضطر أحيانا، لشرح تاريخ القطعة واستعمالاتها القديمة للزبون، وقيمتها تتحدد حسب تاريخها لا حسب شكلها."
وبينما يتقن حديدي، فن تمييز الأصلي من المقلد، هناك شباب مثل سليم لابري (30 عاما) ينظرون للأمر من زاوية مختلفة، يقول سليم بصراحة: "لا يهمني تاريخ القطعة بقدر ما يهمني قوت يومي، أحيانا أرى زبائن يتهافتون على شيء أعرضه، فأندم أنني لم أرفع السعر، لكنني في النهاية، أتعامل مع التحف كسلع مثل أي سلعة أخرى."
أثرياء يبحثون عن عبق الماضي
في قلب العاصمة، وتحديدا في سوق "وادي كنيس"، تختلف الأمور تماما، هنا تعرض كنوز ثمينة خرجت من منازل الشخصيات والسياسيين، وحتى من المتاحف، لتجد طريقها إلى أرصفة السوق، وهذا المكان أصبح وجهة مفضلة للأثرياء والمشاهير، الذين يبحثون عن لمسات فريدة لتزيين منازلهم ومكاتبهم.
عمي علي مسعود، أحد بائعي السوق، يؤكد أن شخصيات سياسية ودبلوماسية تزوره باستمرار "يهربون من صخب المراكز التجارية الفارهة، ليجدوا هنا راحتهم في عبق الماضي." وعلى بعد خطوات، تكتشف صورا نادرة لمجاهدين وشخصيات تاريخية، ولوحات فنية لإبداعات عالمية، وعملات نقدية من عصور استعمارية وممالك قديمة، وأدوات زراعية وحرفية، تحكي أسلوب حياة الأجداد.
عندما تصبح التحف جزء من الهوية
إبراهيم مختاري، صاحب مطعم ومقهى شهير، يجد في هذه القطع أكثر من مجرد ديكور، يقول "أشتري التحف لأعرضها في مطعمي، فأصبحت جزءا من هوية المكان، زبائني يلتقطون الصور معها ويسألون عن قصصها، حتى أن أحدهم عرض علي مبلغا كبيرا لشرائها، لكنني رفضت، لأن قيمتها المعنوية والتاريخية عندي أغلى من المال."
ويقول مختاري؛ "أقصد السوق لشراء العديد من التحف والآلات القديمة وأعرضها في مطعمي ومقهاي، لتزيين جدرانها، فحتى هاته القطع أصبح زبائني يلتقطون صورا معها ويسألون عن مصدرها"، ويروي ذات المتحدث، أن "أحد الزبائن عرض علي مبلغا كبيرا لشرائها مني، غير أنني رفضت، لأنني أقدر القيمة التاريخية والمعنوية لهاته التحف أكثر من قيمتها المالية".
أصوات الماضي في زمن الرقمنة
رغم غزو التجارة الإلكترونية وانتشار مواقع بيع المستعمل، لا تزال أسواق الخردة تحتفظ بجاذبيتها الخاصة، فالتجول بين أروقتها يمنح الزائر متعة الاستكشاف، وراحة نفسية لا توفرها الشاشات، وفرصة للإبحار في بحر من الذكريات. فهنا، بين رائحة الحديد والتراب، قد تعثر على ساعة جيب ميكانيكية من القرن الماضي، تساوي عشرات الآلاف من الدنانير، أو آنية فخارية أندلسية تحمل بصمات حرفي مات منذ قرون، أو رسالة بخط اليد، تحكي قصة حب من زمن بعيد. في هذه الأسواق، يلتقي الماضي بالحاضر، ويتحول الباعة إلى رواة، والمشترون إلى باحثين عن كنوز لا تقدر بثمن. كنوز ليست من ذهب أو فضة، بل من روح وتاريخ وهوية.