لضمان المصروف واكتساب خبرة
طلاب جامعيون يضحُّون بعطلتهم الصيفية
- 221
كمال لحياني
مع حلول فصل الصيف تنقسم مواقف الطلاب الجامعيين في الجزائر بين فريق يرى في العطلة فرصة للراحة والاستجمام، وفريق آخر يغتنمها لخوض تجارب عملية تثري مسيرته المهنية، وتعينه على مواجهة أعباء الحياة الدراسية. وفي ظل ارتفاع تكاليف التعليم وتزايد متطلبات العصر بات العمل الموسمي خيارا استراتيجياً للكثيرين، لا سيما في التخصصات التي تستلزم نفقات إضافية؛ كالكتب، والتنقلات الميدانية، والأدوات التقنية.
يتفرغ بعض الطلاب لقضاء العطلة في السفر والاسترخاء على شواطئ البحر، بينما يختار آخرون خوض غمار العمل؛ لتأمين دخل إضافي يخفف عن كاهل أسرهم، ويعينهم على تلبية احتياجاتهم الدراسية. وتبرز هذه الظاهرة بقوة بين طلاب المناطق الداخلية والجنوبية، الذين يدرسون في جامعات الشمال، ويفضلون البقاء قرب حرم الجامعة؛ بحثا عن فرص عمل في المطاعم والمقاهي والفنادق، أو يخصصون وقتهم لاكتساب مهارات جديدة عبر دورات تكوينية تعزز فرصهم المستقبلية.
أما طلاب المناطق الساحلية فيميلون إلى مجالات التجارة الإلكترونية، وخدمات التوصيل، إضافة إلى قطاعات الفلاحة، والبناء، والسياحة. كما تتيح المؤسسات العمومية فرصاً موسمية كحراسة الشواطئ والغابات، في حين تتجه الفتيات غالبا إلى العمل في المحلات التجارية، ومحال الحلويات، والمطاعم والمراكز التجارية، خاصة مع ازدياد النشاط في هذه المجالات خلال فصل الصيف.
وتنتشر هذه الظاهرة بكثرة وسط طلاب المناطق الداخلية والجنوبية الذين يدرسون في الجامعات الشمالية، مفضلين البقاء في محيط الجامعة للظفر بعمل في المطاعم أو المقاهي أو الفنادق المتواجدة بكثرة، أو استغلال فترة الصيف في تطوير مهاراتهم عن طريق الحصول على تكوينات في مختلف التخصصات، قد تنمي مهاراتهم مستقبلا، وتفتح آفاق التوظيف بعد التخرج.
تجارب شبابية ملهمة
علي محمودي طالب في علم اجتماع وسباح ماهر، جمع بين المتعة والعمل، فاختار أن يكون حارس شاطئ في منطقة شنوة؛ يقول علي: “أعمل هنا منذ ثلاث سنوات. تفتح لنا الحماية المدنية المجال كل صيف للحصول على أجر شهري يتجاوز 50 ألف دينار مع توفير الطعام والشراب. هذا المبلغ يكفيني لتغطية أشهر الدخول الجامعي الأولى. وفي الوقت نفسه أستمتع يومياً بالسباحة في مياه البحر الزرقاء".
أما سوسن صدوقي طالبة الاقتصاد التي تجيد الطبخ والتعامل مع الزبائن، فوجدت ضالتها في المطاعم. تقول سوسن: “ أستغل شهرتي على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج للأطباق التي أعدّها؛ ما عزز ثقة صاحب المطعم بي. لا أقتصر على العمل صيفا فقط، بل أغتنم العطل الدراسية ونهايات الأسبوع، فأحقق دخلا شهريا يقارب 60 ألف دينار، وهو ما يخفف العبء المالي عن أسرتي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة “.
محاكاة الواقع المهني واكتساب خبرة
يرى كثير من الطلاب في العمل الصيفي فرصة ثمينة لمحاكاة الحياة المهنية المستقبلية، والاحتكاك بالخبراء والمختصين، واكتساب مهارات عملية لا تقل أهمية عن المعارف النظرية. سليمة بن هنور طالبة حقوق، تفضل العمل في مكاتب المحاماة ومكاتب المحضرين القضائيين، حيث تتنقل إلى المحاكم، وتشارك في تبليغ الأحكام. تقول سليمة: “هذه التجربة تتيح لي تطبيق ما درسته، ولكن الأهم أنها تعلمني كيفية التعامل مع التحديات الواقعية، وتنظيم الوقت والمهام. وهي مهارات ستفيدني كثيراً في مسيرتي المهنية".
أما محمد سالمي طالب الهندسة، فيرى في العمل الصيفي فرصة لتطبيق معارفه الأكاديمية في ورشات البناء، ومكاتب الدراسات؛ قال: “أتعلم هناك كيفية مواجهة ضغط المواعيد النهائية للمشاريع، وإيجاد حلول تقنية للمشكلات الميدانية. كما إن العمل في مجال هندسي يمنحني ميزة تنافسية عند التخرج، خاصة حين أبني علاقات مهنية خلال فترة العمل".
خبراء.. شخصية قوية ومستقبل واعد
يؤكد الدكتور حسان عيط مختص في علم الاجتماع، أن الطلاب الذين يخوضون تجارب العمل المبكرة يتمتعون بشخصيات قوية، ومميزة، تؤهلهم لتحمُّل المسؤولية الاجتماعية والمهنية في المستقبل. ويضيف: "هؤلاء الطلاب عصاميون؛ يبحثون عن الاستقلالية المالية بعيدا عن العائلة، وفي الوقت نفسه لا يكتفون بالمؤهلات النظرية، بل يسعون لتعزيز مهاراتهم العملية. وهذا ينعكس إيجابا على فرصهم في الحصول على وظائف أفضل بعد التخرج ". ويمضي الدكتور عيط في حديثه قائلا: "العلم يعلِّم الطالب الانضباط، والإنجاز، والالتزام. ويساعده على إدارة الوقت بكفاءة. وهي مهارات حياتية لا تُكتسب إلا من خلال التعامل مع بيئات عمل متنوعة قبل التخرج".