إدمان الهاتف على مائدة الأكل

ضيف غير مرغوب يغلق الحوار ويشتت الانتباه

ضيف غير مرغوب يغلق الحوار ويشتت الانتباه
  • 192
 نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم تعد مائدة العائلة في كثير من البيوت، مكانا مخصصا للأكل والحديث فقط، فقد دخل إليها ضيف جديد واستقر فيها بهدوء، هاتف ذكي في يد الأب، وآخر في يد الأم، وشاشة صغيرة قد لا تفارق الطفل أو المراهق، وبينما تجتمع الأسرة حول الطعام، ينشغل كل فرد بعالم مختلف، رسالة تصل، مقطع قصير يعرض، صورة تنشر، تعليق ينتظر الرد، أو محادثة لا تحتمل التأجيل، فيتحول الوقت الذي كان يجمع أفراد الأسرة في مساحة واحدة، إلى لحظات متفرقة، يعيش فيها كل شخص داخل شاشته، وإن كان المشهد يبدو عاديا لكثيرين، إلا أنه يكشف تغيرا واضحا في واحدة من أبسط العادات التي حافظت عليها الأسرة لسنوات، وهي الجلوس معا وتبادل الأحاديث.

في وقت ليس بالبعيد، كان وقت الطعام فرصة للحديث عن تفاصيل اليوم، عن العمل والدراسة، عن موقف حدث خارج البيت، عن مشكلة تشغل أحد أفراد الأسرة، أو حتى عن قصة بسيطة تثير الضحك بين الجميع، أما اليوم، تمر الوجبة كاملة وسط صمت متقطع، لا يكسره سوى صوت الإشعارات الصادرة من الهاتف، وقد يجلس أفراد الأسرة حول الطاولة نفسها، من دون أن يكونوا حاضرين فعلا لبعضهم، فالجسد موجود، لكن الانتباه موزع بين أفراد العائلة وبين عالم رقمي لا يتوقف، ومع تكرار هذا المشهد، تحول الهاتف من وسيلة للتواصل مع الآخرين، إلى حاجز صغير يفصل الموجودين تحت سقف واحد.

إن المسألة لا تتعلق بالهاتف، بحكم أنه جهاز ضار في حد ذاته، فالهواتف أصبحت جزءا أساسيا من الحياة اليومية، وتوفر التواصل والمعلومة والعمل والترفيه، لكن المشكلة تظهر عندما أصبح استخدامه غير منظم، وعندما لا يعد الشخص قادرا على ترك الشاشة لبضع دقائق، من أجل منح من يجلس أمامه انتباهه الكامل، وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق الأمر بالآباء والأطفال، وحتى بين الزوجين، ليتحول إلى مشكل حقيقي، يخلق أحيانا مشاكل أبعد من الصمت والعزلة المؤقتة.

حول هذا الموضوع، تحدثت فايزة منصوري، أستاذة في علم الاجتماع الأسري لـ"المساء"، قائلة: "إن المشكل يطال بشكل خاص الأطفال، حيث أن استخدام الوالدين للهاتف أثناء وجودهم مع أطفالهم، يمكن أن يرتبط بتراجع الحديث والتفاعل بين الطرفين"، وقد وصفت هذا النوع من التشويش الرقمي بمصطلح "التدخل التقني" في العلاقة بين الوالد والطفل، وأضافت أن استخدام الوالد للهاتف خلال الأكل، ارتبط بحديث أقل مع الطفل، واستجابات أقل لطلباته ومحاولاته جذب الانتباه، وهو ما يجعل الهاتف عاملا يمكن أن يؤثر في جودة اللحظة العائلية، حتى عندما لا يكون هناك خلاف أو مشكلة ظاهرة.

وأضافت أن المائدة، من المفروض أن تكتسب أهميتها من كونها ليست مجرد مكان لتناول وجبة، وإنما أطراف الحديث، أو حتى الاستمتاع بالأكل، وليس تشتيت الانتباه، مضيفة أنه توجد علاقة بين تناول الوجبات العائلية، وبين التواصل بين الأبناء والوالدين، والشعور بالترابط داخل الأسرة، كما يرتبط انتظام الوجبات العائلية بعادات وتقاليد عائلية، تساهم في توطيد العلاقات الأسرية، وهذا لا يعني أن الجلوس حول المائدة يحل كل المشكلات الأسرية، لكنه يوضح قيمة الوقت المشترك في بناء علاقة يومية بين أفراد الأسرة.

وأضافت الأستاذة، أن أثر الهاتف لا يتوقف عند الحوار فقط، فوجود الشاشة أثناء الطعام، قد يؤثر أيضا في طريقة تناول الوجبة، وفي الانتباه لما يأكله الفرد، فاستخدام الشاشات خلال الوجبات يرتبط ببعض السلوكيات الغذائية غير الصحية، واستخدام الوسائط أثناء الوجبة، يمكن أن يرتبط بتخطي الوجبات أو تغيير نمط تناول الطعام، وهو ما يجعل مائدة العائلة مساحة تتداخل فيها الجوانب الاجتماعية والصحية في الوقت نفسه.

شددت المتحدثة، على أن خطورة الظاهرة لا تكمن في دقائق الاستخدام وحدها، بل في تحول السلوك إلى عادة يومية، تبدو طبيعية ولا يلتفت أفراد الأسرة إلى نتائجها، فالأب الذي يجيب عن رسالة أثناء حديث ابنه، قد لا يشعر أنه قطع الحوار، والأم التي تتابع مقطع فيديو خلال الوجبة، قد تعتبر الأمر مجرد دقائق قليلة، والطفل الذي اعتاد مشاهدة الهاتف على المائدة، قد لا يشعر أصلا بأنه تناول الطعام، ومع تكرار هذه التفاصيل الصغيرة، يصبح الانقطاع عن الحوار جزءا من الروتين العائلي.

وتزداد المسألة أهمية، عندما يكون الأطفال صغارا، مشددة على أن دراسات عديدة تؤكد وجود علاقة سلبية بين زيادة وقت الشاشة، ومقدار الحديث والتفاعل اللفظي بين الأطفال والبالغين في السنوات المبكرة، إذ ارتبطت كل زيادة في وقت الشاشة بانخفاض في الكلمات التي يسمعها الطفل، والتفاعلات المتبادلة بينه وبين من حوله، موضحة أن الأمر بات أكثر من ملحوظ، وسط العائلات التي باتت تقدم الهاتف للطفل، وحتى الرضيع لإسكاته أو حثه على الأكل أو تهدئته، وهذا أمر خاطئ وسلبي أكثر منه مهدئ له، على حد تعبيرها.