الحرفية سعيدة بوحقة من فرجيوة لـ "المساء":

صنعت طريقي بنفسي والحزن والعقبات زادت من عزيمتي

صنعت طريقي بنفسي والحزن والعقبات زادت من عزيمتي
  • 1491
زبير. ز زبير. ز

صنعت من الحزن فرحا وحولت من الألم محركا للإبداع والتحدي، رفعت شعار "لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة"، وصنعت من الأشياء الجامدة والميتة رموزا للحياة والسعادة، إنها الحرفية بوحقة سعيدة، المدعوة سعاد، من منطقة فرجيوة بميلة، أبت إلا أن تتوغل في عالم تزيين المنازل والديكور بعد رحلة قاسية مع الحياة، "المساء" اقتربت منها على هامش تنظيم معرضها بقسنطينة ونقلت لكم تفاصيل الإبداع والعزيمة.  

❊ هل لنا أنا نعرف كيف بدأ اهتمامك بهذا الفن؟

— منذ الصغر وأنا مولعة بفن التزيين والديكور والرسم وترتيب الأمور داخل المنزل، كنت أميل إلى مادة الأعمال اليدوية التي كنت أجد نفسي سعيدة فيها كثيرا، خاصة من أجل التعبير عن أحلامي من خلال الإبداع في صنع تحف تزيين المنازل، كانت المعلمة في القسم تسأل كل واحد منا عن أحلامه وأمانيه، وكان وقتها حلمي أن أصبح رسامة وأن أرتدي الحجاب، والحمد لله، وصلت إلى تحقيق ما كنت أسعى إليه رغم استهزاء العديد من الأشخاص الذين كانوا في محيطي.

❊ هل كان المشوار سهلا؟ 

— بالعكس كان الطريق مليئا بالأشواك والعقبات، وأول عقبة واجهتني في الطريق هي توقيفي عن الدراسة بعد حصولي على شهادة التعليم الابتدائي، بسبب قلة وسائل النقل في قريتنا المعزولة عن العالم الخارجي والظروف الأمنية التي كانت تعيشها البلاد من إرهاب وغياب للأمن والاستقرار. فضّل والدي رغم عدم رضا والدتي، توقيفي عن الدراسة خوفا من أن يقع لي مكروه أو أن أقع في أيدي وحش الإرهاب، هذا الأمر لا أزال أتذكره بمرارة وحرقة، كنت أرغب كثيرا في مواصلة الدراسة، لكن إصراري كان كبيرا، حيث سجلت للدراسة بالمراسلة وواصلت إلى غاية السنة الأولى ثانوي ومرة أخرى ظلمتني الظروف، بسبب الضائقة المادية التي كنا نعاني منها، كنت مضطرة إلى الاختيار بين مواصلة دراستي أو مواصلة أخي للدراسة، فآثرت أخي عن نفسي، كونه كان أمل كل العائلة والحمد لله، واصل دراسته ونجح وأصبح مهندسا، من جهتي تحولت إلى الخياطة ونجحت في هذا المجال، حتى أصبحت أكوّن فتيات حول أسرار هذه الحرفة وجمالياتها.

❊ إذن واجهت صعوبات كبيرة!؟ 

— طبعا، لكن أصعب امتحان في حياتي كان عندما أصبت بوعكة صحية ألزمتني الفراش لمدة 7 سنوات، وكل من كان حولي كان يرى هلاكي لا محالة، وحتى أن أكثر من كان متفائلا بشأن حالتي الصحية، لم يتوقع أن أقوم مجددا على رجلي، كنت أرى في هذا ابتلاء، لكن قدرة الله كانت كبيرة وحدثت المعجزة سنة 2007 وتمكنت من العودة مجددا إلى الحياة. يقولون؛ رب ضارة نافعة، ورغم المرارة التي أجدها عندما أتذكر هذه الذكريات، إلا أن انطلاقتي الحقيقية كانت عندما توفت والدتي، حقيقة كانت مرحلة حاسمة في حياتي، كانت مفترق الطريق بين الانكسار والانزواء أو الصمود ورفع التحدي من جديد وكان هذا الأخير، والدتي كانت سندا كبيرا لي في حياتي، هي التي كانت تدعمني وتشجعني من أجل تحقيق أحلامي  وكانت آخر وصية لها قبل وفاتها، أن أواصل مشواري وأن أعتني وأهتم بنفسي وبأحلامي، حتى أنني استطعت الفوز بجوائز عن تحف صنعتها كانت مستمدة من رحم المعاناة التي عشتها بين سنتي 2007 و2009، وأذكر أن إمام القرية ساعدني كثيرا، هي ربما مفارقة، لكنها الحقيقة، حيث جاء هذا الإمام إلى منزلنا لمعالجتي بالرقية، لكنه عندما رأى حالتي أكد لوالدي أن مشكلتي نفسية وعندما رأى اهتمامي بالرسم نصحه بأن يدخلني بيت الشباب حتى أتمكن من التعبير عن مكبوتاتي وأرتاح نفسيا، وقد ساعدني القائمون على بيت الشباب كثيرا، حيث منحوا لي كل الحرية في استعمال هذا المرفق الثقافي إلى أن تمكنت من تنظيم أول معرض خاص بي في شهر أوت 2008 واستفدت بعدها من محل في إطار محلات الرئيس التي وزعت على الشباب الراغب في الإبداع.

❊ من أين يأتيك الإلهام لتجسيد أعملك الفنية؟

— الأفكار تأتيني كالمطر من حين إلى آخر، وتأتي أكثر عندما أكون في حالة نفسية حزينة، في الليل أرى صورا من وحي الخيال لأجسدها في النهار وعندما أكون مشغولة في أشغال البيت وتخطر في ذهني فكرة، أقطع كل عملي لأكتب الفكرة قبل أن أنساها، لقد تعلمت من المعاناة، تبسيط الأمور وتسليط الضوء على كل ما هو مهمش، وهنا جاءتني فكرة للتعامل مع الورق، فعندما أرى ورق "الكارتون" مهمشا ومرميا، تنتابني حالة شعورية حزينة وأتذكر المعاناة والتهميش الذي عشته، ومن هنا تجدني أحاول أن أجعل من هذا الورق تحفة فنية يتهافت عليها الناس. 

❊ من خلال الأعمال المعروضة، نرى ميلك إلى الطبيعة الحزينة؟

— حقيقة الطبيعة من الأمور التي أتأثر كثيرا بها، فأنا أميل إلى الطبيعة المجردة وتجدني أنساق وراء المناظر ربما الحزينة في الطبيعة، على غرار الأشجار التي في آخر عمرها أو الحيوانات التي تتألم في صمت، أرى فيها نوعا من الحقيقة والوضوح بعيدا عن التنميق والألوان الزاهية، أنا أحب الألوان الداكنة والترابية، ربما هي نتيجة حالة نفسية.

❊ بخصوص المواد الأولية، ألا تجدين صعوبة في الحصول عليها؟

— على العموم لا أجد مشاكل في هذه الناحية، فأنا أحاول بقدر الإمكان استغلال المواد التي ترمى من طرف الآخرين في شكل إعادة تأهيلها، فمثلا هذه التحفة المتمثلة في علبة لوضع المصوغات وأغراض النساء، صنعتها من أعواد مصاصات الثلج التي كان يتناولها الأطفال في بيتنا، وعندما شاهد أخي هذه التحفة، قرر أن يساعدني ويشتري لي علبة كبيرة من هذه الأعواد الخشبية التي استعملتها فيما بعد، كما أنني أستعين بمواد من الطبيعة والأرض، مثل التراب، الحلفة، أوراق الأشجار المتساقطة وأعواد الأشجار الميتة وكذا سعفات النخيل.

❊ كامرأة، ألم تجدي صعوبة في شق هذا الطريق؟

— واجهتني العديد من الصعوبات، أولها المنطقة المعزولة التي أقطن بها ونظرة الآخرين للمرأة على أساس أنها كائن لا يجب أن يخرج من المنزل ويعمل، وثانيا البيئة المحافظة التي ترعرعت فيها، وعندما أشارك في المعارض الوطنية كان والدي دائما برفقتي، لكن مع مرور الوقت أصبحت أكثر حرية، المهم أنني أحترم نفسي وقد تربيت وفق أصول الدين، هناك حواجز وطابوهات في المجتمع استطعت كسرها، لكن هذا لا يعني أن أتعدى الخطوط الحمراء التي يأمر بها العرف والدين.

❊ ما هي رسالتك للشباب الموهوب في هذا المجال؟

— يجب أن يتحلوا بالإرادة، لا شيء في الحياة يأتي بسهولة، عليهم أن يدافعوا عن أفكارهم ويثبتوا مواهبهم ولا يسمحوا لطريق اليأس بالنفوذ إلى نفسياتهم، ولا يجب على أي مبدع التقيد بالسن، فهناك من أبدع في سن الخمسين وأكثر، أنا من الناس الذين يدعون إلى استغلال الفشل ليكون بداية انطلاقة أخرى أكثر قوة من الانطلاقة السابقة، وأنا في الـ36 من العمر، تجدني أتمتع بحماس كبير للعمل والإبداع.

❊ هل من كلمة أخيرة؟ 

— أريد أن أشكر كل من ساعدني ماديا أو معنويا في مشواري الحرفي من قريب أو بعيد، وأطلب من المسؤولين مساعدتنا، خاصة كنساء، من أجل التخفيض في أجرة المحل المقدرة بـ10 آلاف دج شهريا، نعاني من الانقطاعات في الكهرباء ومن قلة الأمن، وليس لنا مدخول قار ولسنا تجارا، فنحن مبدعون، ومحلاتنا توجد في أماكن معزولة بعيدا عن التجمعات السكانية، كما أناشد المسؤولين في قطاع الثقافة مساعدتي على دخول معهد الفنون الجميلة الذي أعتبره حلما من أحلامي.