ضوضاء المدينة

صخب يستنزف الأعصاب ويهدد الصحة النفسية

صخب يستنزف الأعصاب ويهدد الصحة النفسية
  • 102
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم تعد المدينة تُقاس فقط بما توفره من خدمات وفرص للحياة والعمل، بل أيضًا بقدرتها على توفير بيئة تمنح سكانها الراحة والسكينة. غير أن هذا الجانب بدأ يتراجع خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت الضوضاء جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، في الشوارع والأحياء، وحتى داخل المنازل. فلم يعد الهدوء هو الحالة الطبيعية، بل أصبح مطلبًا يبحث عنه كثيرون، هربا من صخب لا يكاد يتوقف.

وبين ازدحام المركبات، وأصوات المنبهات، وورشات البناء، والضجيج المتواصل، يجد المواطن نفسه محاصرًا بأصوات تستنزف أعصابه، وتنتقص من راحته، دون أن يشعر، لتتحول الضوضاء من مجرد إزعاج عابر، إلى واحدة من أبرز المشكلات الاجتماعية التي تفرض نفسها بقوة في المدن الحديثة، لما تخلفه من آثار صحية، خاصة على الصحة النفسية. مع تزايد شكاوى المواطنين من الضجيج اليومي، وما يسببه من توتر وإرهاق وصعوبة في التركيز والنوم، يبرز التساؤل حول أسباب تفاقم هذه الظاهرة، ولماذا أصبحت أكثر انتشارًا خلال السنوات الأخيرة، وما الآثار التي تتركها على الصحة النفسية.

في هذا السياق، أوضحت الأخصائية النفسانية، سمية الشاوي، أن الضوضاء لم تعد مجرد مشكلة بيئية، بل أضحت عاملًا يؤثر بشكل مباشر في الصحة النفسية والتوازن الانفعالي للأفراد، وقالت إن الإنسان يحتاج بطبيعته إلى فترات من الهدوء ليستعيد توازنه النفسي والجسدي، خاصة بعد يوم مليء بالجهد والإرهاق. ومع التعرض المستمر للأصوات المرتفعة، يبقى الدماغ في حالة استنفار دائم، حتى وإن بدا الشخص معتادًا على تلك الأصوات. وأشارت إلى أن الجسم يستجيب للضوضاء بإفراز هرمونات التوتر، ما يؤدي مع مرور الوقت، إلى الشعور بالإجهاد والعصبية والقلق، وقد يتطور الأمر إلى اضطرابات في النوم، وصعوبة في التركيز، وضعف القدرة على التحكم في الانفعالات.

وأضافت المتحدثة، أن انتشار الضوضاء يعود إلى عدة أسباب، في مقدمتها التوسع العمراني السريع، والارتفاع الكبير في عدد المركبات، والاستعمال العشوائي لمنبهات السيارات، إلى جانب ورشات البناء التي أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، فضلًا عن غياب الوعي لدى البعض بأهمية احترام راحة الآخرين، سواء داخل الأحياء السكنية أو في الأماكن العامة، وهو ما جعل الضجيج سلوكا متكررا يفرض نفسه على الجميع.

الانفعال أحد أبرز الآثار النفسية

أكدت المختصة، أن الآثار النفسية للضوضاء لا تظهر دائمًا بشكل مباشر، بل تتراكم مع مرور الوقت، فيصبح الشخص سريع الانفعال، قليل الصبر، ويفقد القدرة على التركيز، كما ترتفع لديه مستويات التوتر والضغط النفسي، وقد ينعكس ذلك على علاقاته الاجتماعية وأدائه في العمل أو الدراسة.

وأشارت، إلى أن الدراسات الحديثة تربط بين التعرض المزمن للضوضاء وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، خاصة لدى الأشخاص الذين لا يجدون فسحة للراحة في يومهم، مؤكدة أن التأثير لا يقتصر على كبار السن، بل يشمل الشباب والأطفال أيضًا، إذ قد تظهر لديهم مع مرور السنوات، مؤشرات تعكس حجم التأثر السلبي بالتعرض المستمر للضجيج. وأضافت أن الأطفال يُعدون من أكثر الفئات هشاشة أمام هذه المشكلة، لأنهم يحتاجون إلى بيئة هادئة، تساعدهم على التعلم والنمو السليم. كما أن كبار السن والمرضى والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية، قد تتفاقم لديهم الأعراض، نتيجة الضجيج المستمر.

وترى الشاوي، أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تضافر جهود الجميع، من خلال احترام قوانين مكافحة الضوضاء، والتقليل من استعمال المنبهات الصوتية، إلا عند الضرورة، ومراقبة مستويات الضجيج في الأحياء السكنية، إلى جانب نشر ثقافة احترام راحة الآخرين، لأن الهدوء ليس امتيازًا، بل حق لكل فرد. كما دعت إلى سن قوانين أكثر صرامة، لتنظيم مستويات الضجيج، لا سيما خلال ساعات المساء والليل.

وختمت الأخصائية النفسانية سمية الشاوي، بالتأكيد على أن المدن لا تصبح أفضل بكثرة المباني والطرقات فحسب، بل بقدرتها على توفير بيئة صحية، يشعر فيها الإنسان بالأمان والراحة، مشددة على أن حماية الصحة النفسية تبدأ أحيانًا بخطوات بسيطة، من بينها احترام الهدوء، باعتباره عنصرًا أساسيًا في جودة الحياة واستقرار المجتمع ورفاهيته.