حين تصطدم الحاجة بحدود القانون
سيارات النقل غير القانونية "الفرود" تحت الرقابة
- 246
نور الهدى بوطيبة
تتغير حركة الشوارع مع تغير حاجات الناس، فما بين ساعات الصباح الأولى، التي يتسابق فيها العمال والطلبة إلى مقرات عملهم ودراستهم، وساعات المساء التي يعود فيها الجميع إلى أحيائهم، تصبح السيارة وسيلة لا غنى عنها، للوصول في الوقت المناسب، وفي خضم هذا المشهد، تظهر سيارات خاصة تتوقف عند زوايا الأحياء ومداخلها، تقل مواطنين مقابل مبالغ مالية، ثم تختفي في حركة تبدو عادية لمن اعتاد عليها، لكنها تطرح في المقابل، سؤالا لا يحضر دائما في لحظة الاستعجال، ماذا يحدث عندما تقع المشكلة، ومن يتحمل المسؤولية عندما تكون الرحلة خارج إطار النقل المنظم؟
هنا يبرز “الفرود” أو “الكلونديستان” كظاهرة لم تعد غريبة عن يوميات عدد من الجزائريين، فالمواطن الذي يبحث عن وسيلة سريعة ومتوفرة، قد لا يرى في السيارة الخاصة سوى حلا عمليا لمشكلة التنقل، بينما تنظر إليها السلطات، باعتبار أنها نشاط غير قانوني، يمس بتنظيم النقل ويطرح مخاطر تتعلق بسلامة الركاب والسائقين، على حد سواء، وبين النظرتين نشأت علاقة اجتماعية معقدة، تقوم في كثير من الأحيان، على الحاجة والاعتياد والثقة الشخصية، أكثر مما تقوم على الضمانات التي يفرضها القانون.
علاقة اجتماعية معقدة..
المشهد أصبح يكشف علاقة اجتماعية أكثر تعقيدا، من مجرد ناقل غير قانوني وراكب مخالف، فمع مرور الوقت، أصبح بعض سائقي السيارات الخاصة معروفين داخل الأحياء، يعرفون وجهات السكان ومواعيد خروج العمال والطلبة، ويتعاملون مع زبائن يتكرر ركوبهم معهم بشكل شبه يومي، ومع هذه الاستمرارية، نشأت ثقة غير رسمية، تجعل المواطن ينظر إلى السائق الذي اعتاد عليه، على أنه شخص معروف، وقد يعرف اسمه أو رقم هاتفه أو حتى أفراد عائلته، وهو ما يخفف لديه الشعور بالمخاطر، رغم أن المعرفة الشخصية لا تعادل دائما بالضرورة، الحماية التي يوفرها نشاط نقل منظم وخاضع للرقابة.
وقد تحولت بعض النقاط بعدة بلديات، خصوصا التي تشهد حركة كبيرة للمواطنين، سواء من أسواق أو مدن وأحياء جديدة، إلى محطات غير رسمية، لكن دائمة، اعتاد عليها المواطنون، وتشهد حركات غير اعتيادية في ساعات الذروة، خصوص صباحا عند التنقل للعمل، ومساء بعد الانتهاء منه، في حين يعتمد آخرون على تطبيقات سيارات أجرة، هي الأخرى أكثر تنظيما، لكن لا أكثر، إذ لا تزال تلك السيارات غير مرخص لها بالنشاط وممارسة تلك الخدمة، لكن لا أحد يبالي من مستعمليها، مادام يرى هؤلاء أنها عملية وتساعدهم على إيجاد وسيلة نقل دون أي صعوبة..
فالمواطن لا يلجأ دائما إلى “الفرود”، لأنه يرفض وسائل النقل النظامية، هذا ما أجمع عليه عدد من المواطنين بمحطة ساحة الشهداء، أحد أكثر الشوارع التي تشهد حركة “الفرود” بالعاصمة، كنقطة ربط بين عدد من البلديات بالعاصمة، حيث أكد هؤلاء، أن لجوءهم لهذه الوسيلة، قد يكون أحيانا أقرب للباحث عن وسيلة نقل وأسرع في الوصول، وقد يعرف السائق مسبقا، أو يكون معتادا على الركوب معه، أو يراه كل يوم أمام الحي، فتتحول العلاقة تدريجيا، من مجرد خدمة مدفوعة، إلى نوع من الثقة الشخصية.
الحاجة والوفرة أكثر إلحاحا...
يقول وليد، أحد المواطنين الساكن ببئر توتة، وعامل بباب الوادي، وممن اعتادوا استخدام هذه السيارات، أن الأمر بالنسبة إليه، مرتبط أساسا بالوقت وسهولة التنقل، خصوصا عندما يكون في عجلة من أمره، أو عندما لا يجد وسيلة نقل قريبة، بينما يرى مواطن آخر يقطن بحي "سوريكال" في باب الزوار، وعامل بالبريد المركزي، أن معرفته بالسائق تجعله أكثر اطمئنانا، لأنه ليس شخصا مجهولا بالنسبة إليه، ويعرف أين يقطن ومن أين ينحدر، وهو ما يجعل الخوف من المخاطر أقل حضورا في ذهنه، مشيرا إلى أن حيه معزول نسبيا عن وسائل النقل القانونية، كمحطة الحافلات أو "الترامواي"، ما يدفعه إلى البحث عن بديل، خصوصا أن سعر “الطاكسي” يوميا قد يكلفه كثيرا، موضحا أن سعر "الفرود" يتباين بين 150 و200 دينار للرحلة، من باب الزوار إلى البريد المركزي.
ويبدو أنه لا يمكن فصل استمرار الظاهرة عن الظروف التي يعيشها المواطن في تنقله اليومي، فالسعر والسرعة والقرب من المنزل، وتوفر السيارة في الأوقات التي يزداد فيها الطلب، كلها عوامل تجعل بعض المواطنين يفضلون هذه الوسيلة، حسبما أكده استطلاعنا، ففي بعض المناطق، يصبح الفرود حاضرا في تفاصيل الحي، إلى درجة أن السكان يعرفون سائقيه، كما يعرفون سيارات الأجرة، بل إن بعض السائقين يحتفظون بقائمة من الزبائن المعتادين، ويتصل بهم في أوقات معينة، لتصبح السيارة جزءا من روتين يومي مستقر.
وفي الجهة المقابلة، يقدم بعض سائقي "الكلونديستان" تفسيرا مختلفا لدخولهم هذا النشاط، فبالنسبة إليهم، لا يتعلق الأمر دائما برغبة في مخالفة القانون، وإنما بمصدر دخل، وجدوا فيه وسيلة لتغطية مصاريفهم أو تحسين وضعهم المادي، وبعضهم بدأ بنقل شخص يعرفه، ثم توسعت الدائرة تدريجيا، إلى أن تحول الأمر إلى نشاط شبه يومي، ومع ذلك، يبقى الدافع الاجتماعي أو الاقتصادي غير كاف، لمنح النشاط صفة قانونية، فالقانون لا يقيس مشروعية النشاط بالحاجة إليه فقط، وإنما بالشروط التي تحكم ممارسته وتحمي أطرافه.
غير أن هذه الثقة، التي تتشكل داخل الأحياء، لا تعني بالضرورة وجود حماية حقيقية، هذا ما أشار إليه بدر الدين السبع، محامي وأستاذ في القانون، حيث أكد أن معرفة اسم السائق أو رقم هاتفه، لا تعادل وجود نشاط منظم يخضع لشروط محددة، كما أن الاعتياد على الرحلة، لا يغير من طبيعة السيارة الخاصة، ولا يمنحها تلقائيا صفة سيارة أجرة، وهنا تظهر المفارقة، مشددا على أنه كلما طال عمر العلاقة بين السائق والراكب، بدأ النشاط أكثر طبيعيا في نظر الطرفين، رغم أن القانون ينظر إليه من زاوية مختلفة تماما، موضحا أن القانون لا يمكن في هذا الإطار أن يحمي أي الطرفين، سواء الزبون، أو حتى السائق الذي هو الآخر قد يتعرض لانتهاك أحد حقوقه وسلامته..
لهذا تعمل الدولة على فرض القانون
لهذا جاءت حملات مكافحة النقل غير الشرعي، في عدد من المناطق، لتضع الظاهرة تحت الرقابة، وشدد محدث "المساء" بالقول: "الدولة لا تواجه مجرد سيارات تعمل خارج إطار سيارات الأجرة، بل تحاول فرض تنظيم واضح لنشاط نقل الأشخاص، بما يضمن احترام شروط السلامة، وتحديد المسؤوليات، ومراقبة المركبات والسائقين، وحماية مستعملي الطريق، خاصة وأن السيارة الخاصة التي تنقل الأشخاص، مقابل أجرة، لا تخضع بالضرورة لنفس الشروط التي يخضع لها الناقل المهني المرخص".
وأضاف المحامي، أن أهمية هذه المسألة تتضح أكثر، عندما يغادر الناقل إطاره العادي، وتحدث واقعة غير متوقعة، مشددا على أنه سبق وأن تم تسجيل عدد من الجرائم مرتبطة بهذا النشاط، كالاعتداء أو السرقة وحتى القتل، يروح ضحيتها الزبون وأحيانا حتى السائق في حد ذاته، فليس هناك أي تغطية وضمان، فماذا لو تعرض الراكب لحادث سير، أو وقع خلاف بينه وبين السائق، أو تعرض لاعتداء، أو حتى تعرض السائق نفسه لاعتداء من طرف أحد الركاب، في تلك اللحظة، لا تعود المسألة مرتبطة بسرعة الوصول أو انخفاض السعر، بل تنتقل إلى مجال المسؤولية والإثبات والتأمين، وهي جوانب لا يمكن حسمها بمجرد القول إن السائق والراكب يعرفان بعضهما..
وأوضح المحامي، بدر الدين السبع، أن الإشكال الأساسي في النقل غير المرخص، يظهر بوضوح عند وقوع حادث أو نزاع، لأن العلاقة بين الطرفين لا تقوم على الإطار التنظيمي نفسه، الذي يحكم نشاط النقل المرخص، بالتالي تصبح مسألة تحديد المسؤوليات والتعويضات مرتبطة بظروف كل حالة، وبالوثائق المتوفرة ونوعية التأمين ومدى تغطيته، فوجود اتفاق شفهي بين السائق والراكب على مبلغ مالي، لا يكفي وحده لتوفير الحماية القانونية، التي يعتقد البعض أنها موجودة.
كما أشار، إلى أن التأمين يمثل عنصرا أساسيا في مثل هذه الحالات، لأن وقوع حادث لا يعني فقط وجود ضرر مادي في السيارة، بل قد يتعلق الأمر بإصابات جسدية وتكاليف علاج وتعويضات ومسؤوليات مدنية، وفي حالة ممارسة نشاط نقل الأشخاص خارج الإطار المخصص له، قد تُطرح مسألة مدى توافق استعمال المركبة مع طبيعة النشاط المؤمن عليه، وهي نقطة يمكن أن تصبح محل نزاع عند وقوع حادث، كما أن السائق نفسه، لا ينبغي أن يفترض أن كونه صاحب السيارة، يجعله محميا من كل تبعات ما يحدث داخلها.
مآلات لا تحمد عباها..
لا تتوقف المخاطر عند حوادث المرور، فداخل سيارة لا تخضع لذات آليات التوثيق والمراقبة المرتبطة بالنقل المنظم، يشدد المحامي، إذ يمكن أن تظهر أيضا إشكالات أخرى، كالسرقة أو الاعتداء أو النزاع حول الأجرة أو الوجهة، وفي هذه الحالات، تصبح معرفة هوية الطرف الآخر، وتحديد ظروف الرحلة، عناصر مهمة في إثبات الحقوق والمسؤوليات، لذلك، فإن الثقة الشخصية التي تجعل المواطن يقبل على الفرود في الظروف العادية، قد لا تكون كافية عندما يحدث ما لم يكن في الحسبان.
وقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة، يقول المحامي، تطبيقات رقمية تسمح بطلب سيارات عبر الهاتف، وتوفر للمستخدم بيانات عن الرحلة والسائق ووسائل أخرى للتواصل والتتبع، وقد غيرت هذه التطبيقات جزءا من عادات التنقل لدى بعض المواطنين، لكنها لا تعني في حد ذاتها، أن كل خدمة تقدم من خلالها، أصبحت نشاطا مرخصا، بل العكس، فالانتقال من الشارع إلى الهاتف، لا يلغي الحاجة إلى إطار قانوني واضح، ينظم النشاط ويحدد شروطه ومسؤولياته، لذلك لا ينبغي النظر إلى الرقمنة باعتبار أنها بديل تلقائي عن الترخيص والتنظيم.
ومن هنا، فإن تطبيق القانون، يؤكد المحامي، يظل ضروريا لحماية المواطن، وتنظيم نشاط النقل، لكن معالجة الظاهرة في بعدها الاجتماعي، تحتاج في الوقت نفسه، إلى فهم الأسباب التي تجعل المواطن يبحث عن البديل غير الرسمي، فكلما كانت وسيلة النقل النظامية متوفرة وقريبة ومنتظمة، تراجعت الحاجة إلى البحث عن سيارة خاصة، تنتظر عند زاوية الحي، وكلما شعر المواطن بأن الوصول إلى وجهته لا يتطلب منه الاختيار بين السرعة والأمان، يصبح احترام الإطار القانوني خيارا أكثر سهولة.