الهاتف النقال داخل المدرسة
سارق التركيز ومغذّي التنمر بين الأطفال
- 231
نور الهدى بوطيبة
يعود التلاميذ مع بداية كل دخول مدرسي إلى مقاعد الدراسة محملين بالكتب والكراريس والأدوات الجديدة. لكن هناك أداة أخرى أصبحت ترافق عددا كبيرا منهم أينما ذهبوا حتى إلى داخل القسم، وهو الهاتف النقال الذي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل مع العائلة، بل تحوّل بالنسبة لكثير من الأطفال والمراهقين إلى مساحة مفتوحة للترفيه، والتصوير، ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي، والتفاعل مع الأصدقاء، وهو ما يطرح مع كل دخول مدرسي سؤالا يتجدد حول المكان الذي يُفترض أن يحتله الهاتف داخل المؤسسة التربوية، وهل يمكن أن يتوافق وجوده مع التركيز والانضباط، أم أن المدرسة مطالَبة بوضع حدود أكثر صرامة لحماية وقت التلميذ، وعلاقته بالتعلم، وبمحيطه المدرسي؟.
وبينما يجد الأولياء في الهاتف النقال وسيلة للاطمئنان على أبنائهم والتواصل معهم عند الحاجة، ترى الأسرة التربوية أن وجوده داخل القسم قد يفتح الباب أمام استعمالات تتجاوز الغرض الذي يحمله التلميذ من أجله؛ فقد يكفي إشعار واحد أو رسالة قصيرة أو رغبة في تفقُّد الهاتف حتى ينقطع انتباه التلميذ تماما عن الدرس.
ومع انتشار التصوير الفوري وإمكانية نشر الصور ومقاطع الفيديو في ثوان، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بتضييع وقت الحصة، وإنما أصبحت متصلة أيضا بالخصوصية، والعلاقات بين التلاميذ، وبظواهر التنمر، والإحراج، والتشهير داخل الوسط المدرسي.
وفي الجزائر، لا يتعلق الأمر بمنع نظري فقط؛ إذ ينص النظام الداخلي الجديد لمؤسسات التربية والتعليم، على عدم السماح للتلاميذ بإدخال أو استعمال الهواتف الشخصية، وأجهزة الاتصال الذكية، وأجهزة التصوير والتسجيل داخل الأقسام والفضاءات البيداغوجية، مع إمكانية استعمال التكنولوجيا لأغراض تربوية بعد الحصول على ترخيص كتابي من إدارة المؤسسة. كما يُمنع تصوير التلاميذ، والأساتذة، والعمال، أو تسجيلهم، ونشر صورهم ومقاطعهم عبر المنصات الرقمية، إذ يمكن أن يؤدي خرق القواعد المتعلقة بالهاتف، إلى حجز الجهاز، واستدعاء الولي. وهي إجراءات تعكس انتقال التعامل مع الهاتف من مجرد مسألة انضباطية، إلى جزء من تنظيم الحياة المدرسية، وحماية أفراد الجماعة التربوية.
وفي الواقع تبدو المشكلة أكثر تعقيدا، هذا ما أشار إليه الاستاذ إبراهيم السبع، مختص في اللغة العربية بمتوسطة فاطمة نسومر بباب الزوار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتلاميذ في سن المراهقة؛ قال: “لا يصبح الهاتف بالنسبة للتلاميذ في تلك السن، مجرد جهاز موضوع في المحفظة، وإنما شيئا حاضرا في تفكيرهم حتى وإن لم يستعملوه فعليا. وهو ما ينعكس على الانتباه داخل القسم”، مؤكدا أن وجود الهاتف مع التلميذ داخل المؤسسة التربوية، يجعله في حالة انشغال مستمر حتى عندما لا يستعمله بشكل مباشر. وأشار إلى أن بعض التلاميذ يظلون يفكرون في الهاتف ومحتواه، وما قد يصلهم من رسائل أو إشعارات؛ الأمر الذي يؤثر في قدرتهم على متابعة الدرس، والتركيز في الشرح، مضيفا أن تحذيرات الأساتذة من إخراج الهاتف أو استعماله لا تمنع دائما بعض التلاميذ من محاولة استخدامه خفية، خاصة عندما يشعرون أن الهاتف أصبح جزءا من حياتهم اليومية ولا يمكنهم الاستغناء عنه لساعات طويلة خلال الدرس.
ولا تتوقف الإشكالية عند حدود التركيز والتحصيل الدراسي، يقول الأستاذ، فالهاتف يمكن أن يتحول داخل المدرسة، إلى وسيلة لإظهار الفوارق بين التلاميذ، حيث قد يحمل بعضهم هواتف حديثة وباهظة الثمن، في حين لا يملك آخرون الأجهزة نفسها، وهو ما قد يخلق نوعا من المقارنة، والغيرة، والشعور بالنقص، خصوصا في مرحلة عمرية يكون فيها رأي الأقران وحضورهم الاجتماعي مؤثرا بشكل كبير في شخصية الطفل والمراهق. كما إن الهاتف قد يصبح أداة للتنمر، يشدد إبراهيم السبع، سواء من خلال تصوير تلميذ في موقف محرج، أو تسجيل مشادة أو شجار، أو التقاط صورة دون علم صاحبها، ثم تداولها بين التلاميذ، ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتخرج الواقعة من حدود المؤسسة في دقائق، وتتحول إلى مشكلة يصعب احتواؤها، مشيرا إلى أن خطورة التصوير داخل المؤسسة لا تكمن في عملية التصوير وحدها، وإنما في ما يمكن أن يحدث للصورة أو الفيديو بعد ذلك؛ فالتلميذ الذي يلتقط صورة لزميله على سبيل المزاح، قد لا يدرك في البداية حجم الأثر الذي يمكن أن يتركه نشرها، بينما قد يجد التلميذ المصور نفسه أمام سخرية جماعية، أو تعليقات جارحة، أو انتشار لمحتوى لم يمنح موافقته على نشره، وهنا يصبح الهاتف وسيلة يمكن أن تضاعف آثار التنمر التقليدي؛ لأنها تسمح باستمرار الواقعة حتى بعد مغادرة المدرسة.
وتبدو هذه المخاوف، حسب محدث “المساء”، جزءا من نقاش عالمي يتسع عاما بعد عام، فقد أحصت اليونسكو 114 نظام تعليمي يفرض حظرا وطنيا على الهواتف في المدارس منذ بداية السنة الجارية، بعدما كان العدد أقل بكثير قبل سنوات؛ إذ دوافع هذه القيود، حسبه، ترتبط خصوصا بتشتّت الانتباه، والتنمر الإلكتروني.
وللإشارة، تقدم بعض الدول الأوروبية مثالا لافتا في هذا الاتجاه، فمع الدخول المدرسي 2026 توسع الإطار المعتمد ليشمل المدارس والمتوسطات والثانويات، بحيث أصبح مبدأ الدراسة دون هاتف محمول معمَّما من مرحلة التعليم الأولى إلى نهاية الثانوية، مع وجود استثناءات مرتبطة خصوصا ببعض الحالات الصحية أو الاحتياجات الخاصة، فيما تعتمد دول أخرى توجيهات أكثر صرامة بشأن منع الهواتف خلال اليوم الدراسي.