أطباء ونفسانيون وقانونيون بمستشفى وهران:
دعوة لتعبئة مجتمعية ضد التنمر والعنف المدرسي
- 247
رضوان. ق
شدد أطباء وأخصائيون نفسانيون وقانونيون، على أهمية تعبئة مجتمعية ضد ظواهر العنف والتنمر في الوسط المدرسي، والاستخدام غير السليم لوسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرات المختلفة، التي أصبحت تؤدي إلى وقع ظواهر، لها انعكاسات خطيرة على الصحة النفسية ومستقبل الشباب.
شكل الارتفاع المقلق لظواهر التنمر والعنف المدرسي، الذي أصبح يمس الأطفال والتلاميذ، محور يوم دراسي، نظم بالمركز الاستشفائي الجامعي الدكتور “بن زرجب” بوهران، الأسبوع الماضي، بمشاركة مهنيي الصحة وفاعلين بقطاع التربية، وأخصائيين نفسيين وقانونيين وممثلي الحركة الجمعوية وأولياء التلاميذ، بهدف فهم ظاهرة التنمر والعنف المدرسي والوقاية منهما، والتكفل بالتلاميذ الضحايا وتعزيز الوقاية في مجال الصحة النفسية وحماية الطفولة.
أكد البروفيسور كورتي نزيم، مدير النشاطات الطبية وشبه الطبية، بالمستشفى الجامعي، أن التنمر والعنف في الوسط المدرسي، ليسا ظاهرتين جديدتين، غير أنهما تحظيان اليوم باهتمام أكبر، بفضل تحسن أدوات التشخيص والتبليغ، بما يسمح بالكشف المبكر وقياس تأثيره الحقيقي على الطفل.
أوضح كورتي، بأن معطيات الصحة المدرسية في ولاية وهران، كشفت أن ما بين 1 و2 بالمائة من التلاميذ، يتعرضون للتنمر أو العنف المصرح به، غير أن المختصين يرون أن هذه الأرقام تبقى أقل من الواقع، بسبب صمت الضحايا وعدم قدرتهم أو ترددهم، لكشف ما يتعرضون له من اعتداءات لفظية وسخرية متكررة، لاسيما السمنة التي تمس نحو 15 بالمائة من التلاميذ، فضلا عن التنمر الإلكتروني، وأوضح كورتي، أن الطفل الذي يتعرض للتنمر، قد ينغلق على نفسه كليا، أو يطور سلوكات رافضة للمجتمع، مؤكدا على ضرورة الكشف المبكر والتكفل المنسق بين قطاع الصحة والمدرسة والأسرة.
الإطار الأسري العنيف له تأثير على نفسية التلميذ
من جانبه، أبرز الدكتور يوسف بوخاري، رئيس مصلحة الوقاية بمديرية الصحة والسكان لولاية وهران، وجود علاقة وثيقة بين العنف المدرسي والعنف داخل الأسرة، موضحا أن حالات كثيرة مسجلة، يكون فيها العنف متجذرا داخل البيت، إلى جانب تأثير ارتفاع نسب الطلاق والتوترات العائلية على الحالة النفسية للتلميذ، كما أكد الدكتور بوخاري، بأن بعض الأطفال الخاضعين لضغوط مفرطة، تتعلق بالنتائج الدراسية أو ضحايا أساليب تربوية عنيفة، قد يتحولون بدورهم إلى ممارسين للعنف داخل المدرسة، من خلال إنتاج ما يتعرض له من عنف، كما أشار بوخاري، إلى مسؤولية المحتويات العنيفة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، التي تلعب دورا في انتشار العنف المدرسي.
التنمر الإلكتروني.. تحد معاصر
من جانبها، أوضحت سميرة بودو، أخصائية نفسية ومنسقة خلية الإصغاء بالمستشفى الجامعي في وهران، خطورة التنمر الالكتروني والاعتداءات الرقمية، التي تمتد خارج أسوار المدرسة، وتعرض الضحايا لضغط متواصل، وقدمت الأخصائية عدة أمثلة عن التنمر الرقمي، وأثاره على الحياة اليومية للتلاميذ، كما قدمت المتدخلة أدوات عملية للوقاية والتعامل، من بينها قاعدة “باس”، للتحدث إلى شخص موثوق وأرشفة الأدلة والتبليغ عن المحتويات أو الحسابات المسيئة، كما شددت المتحدثة، على أهمية التعبير عن المشاعر والاعتراف، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لنجاح المتابعة العلاجية. من جهته، أكد الأخصائي النفسي العيادي، نصر الدين رايس، الممارس بمدينة “مونبولييه” الفرنسية، أن التنمر المدرسي لا يخص الطفل وحده، بل يشمل محيطه الأسري والتربوي والاجتماعي بأكمله، موضحا أنه ظاهرة تتطلب استجابة جماعية، داعيا إلى تعبئة مشتركة لمختلف المؤسسات والهيئة التربوية والأسرة والمجتمع المدني، موضحا أن الوقاية تمر أيضا عبر التربية العاطفية والحوار الدائم مع الطفل، واليقظة داخل المدرسة وخارجها.
الإطار القانوني في خدمة حماية الطفل
كما تطرقت الأخصائية القانونية بمديرية النشاطات الطبية وشبه الطبية، بالمستشفى الجامعي في وهران، سعاد مناد، إلى الجانب القانوني لمكافحة العنف المدرسي، وذكرت المتدخلة، بأن التشريع الجزائري، لاسيما القانون رقم 15-12، المتعلق بحماية الطفل، يوفر إطارا قانونيا واضحا للتصدي لمختلف أشكال العنف، بين العنف اللفظي والجسدي والجنسي، موضحة الإجراءات الواجب اتباعها، سواء كان الطفل ضحية أو فاعلا مفترضا، كما شددت المتحدثة على أهمية التبليغ المبكر والتحسيس الذي يبدأ من داخل الأسرة، مشيرة إلى أن المشرع لم يدرج التنمر ضمن المخالفات أو الجنح المعاقب عليها.
كما شددت الأستاذة سابرينا بن سخرة، ممثلة مصلحة الاستعجالات النفسية بالمستشفى الجامعي، على ضرورة الانتباه للتغيرات السلوكية لدى الطفل، مثل تراجع النتائج الدراسية أو العزلة أو العصبية أو تغير الطباع، باعتبارها مؤشرات إنذار تستوجب تدخلا، كون الأثر النفسي للتنمر قد تكون له نتائج مدمرة.
أجمع المشاركون على ضرورة توحيد الجهود، لبناء استجابة دائمة قائمة على الوقاية والتكوين، والتكفل المبكر بالتلاميذ، باعتبارهم ليسوا مجرد تلاميذ اليوم، بل هم شباب ومواطنو الغد، كما أن مكافحة العنف المدرسي يعد تحديا أساسيا من تحديات الصحة العمومية والتماسك الاجتماعي.