أمثال تحكي موسم الحصاد

حين يتكلم الصيف بلسان الأجداد

حين يتكلم الصيف بلسان الأجداد
  • 311
وردة زرقين وردة زرقين

يُعد موسم الحصاد، من أهم المحطات التي عرفها المجتمع الجزائري عبر الأجيال، فهو ليس مجرد مرحلة لجمع المحاصيل، بل مناسبة ارتبطت بالعمل الجماعي والتكافل والفرح، وبين حصاد الأمس، الذي كان يعتمد على السواعد والأدوات التقليدية، وحصاد اليوم، الذي أصبح يعتمد على الآلات الحديثة والتقنيات الزراعية، تبقى الغاية واحدة، وهي جني المحصول، وإن اختلفت الوسائل وتبدلت المظاهر.

تُعد عملية حصاد القمح إحدى موروثات الرجل البدوي القالمي بصفة خاصة، والجزائري بصفة عامة، فهي تشده إلى الماضي السعيد، ورغم توفر آلات الحصاد (حاليًا) وما يمكنها أن تختصره من جهد ووقت، إلا أن هناك من لا يزالون يتمسكون بهذه العادة، باعتبارها وسيلة من وسائل الترابط والتراحم الأسري بين أبناء العائلة أو العرش، حيث يجتمع الفلاحون ويشكلون مجموعات، ليشرعوا في عملية الحصاد بعد صلاة الفجر إلى غاية غروب الشمس، وكانت تتم العملية بآلات بسيطة، كالمنجل والمذراة والدواب، وعند الشروع في عملية الحصاد، يضع الفلاحون على رؤوسهم مظلات مصنوعة من “الدوم”، للوقاية من حرارة الشمس اللاذعة، وهي قبعة القش التقليدية، مصنوعة من القش، مثل القفة أو من نبتة الدوم، ولا تزال إلى حد الآن موجودة، بإضافة ألوان جميلة لتزيينها، وتُعتبر جزءًا من اللباس التقليدي الرجالي في هذا الفصل.

كما تتم عملية الحصاد باستعمال “المناجل”، فتتقدم مجموعة لحصد سنابل القمح، ومجموعة أخرى تسير وراء الجماعة لجمعها وربطها في حزم تُسمى “القمُر”، ثم تُنقل إلى مكان مخصص، وبعد تجميعها، تُؤخذ على ظهور الدواب إلى “النادر”، وقد دأب سكان ڨالمة، في السنوات السابقة، على إخراج الزكاة المعروفة محليًا بـ"العشور” من المحصول، ما يُقدر بنسبة 10 بالمائة من المنتوج الذي يُوزع على مستحقيه، بعد الانتهاء من عملية الحصاد.

للإشارة، لم يكن الفلاحون قديما، يزرعون القمح قبل دخول “الشولة”، خوفًا من أن ينضج مبكرا، فتأكله العصافير، أو ينضج قبل موسم الصيف، فتفسده الأمطار، بخلاف الشعير، فنضجه يكون مبكرًا، وفي “الشولة” يسقط ما تبقى من أوراق أشجار الخريف، وهي أول منزلة من منازل فصل الشتاء، وتُعتبر أفضل وقت لزرع القمح، وفيها يشتد البرد ويبدأ الصقيع، ويستبشر سكان قالمة، خاصة الفلاحون منهم، بهطول الأمطار الموسمية في أواخر شهر أوت وبداية شهر سبتمبر من كل سنة، ليوم واحد أو بعض ساعات فقط، فعندما تسقط الأمطار بغزارة، تغسل الأرض وتنظفها، وتُسمى بـ"غسالة النوادر”، فهي أمطار تُبشر عمومًا بفصل خريف ممطر وموسم فلاحي خصب، حسب العادات والطقوس.

لا يمر فصل من فصول السنة في الموروث الشعبي الجزائري، دون أن يترك بصمته في الأمثال والأقوال المتداولة، إذ يحظى فصل الصيف بمكانة خاصة، باعتباره موسم الحصاد والوفرة والعمل، وهو ما جعل الذاكرة الشعبية تنسج حوله عشرات الأمثال، التي تختزل خبرة الإنسان في التعامل مع الطبيعة والزراعة وشؤون الحياة اليومية، فالأمثال لم تكن مجرد عبارات تُردد في المجالس، بل كانت خلاصة تجارب طويلة توارثتها الأجيال، تحمل في طياتها قيمًا اجتماعية واقتصادية، وتوجه الناس إلى حسن استغلال الزمن، والاجتهاد في مواسم الإنتاج، وعدم التفريط في فرص الرزق.

ومن أشهر الأمثال التي ارتبطت بالصيف، قولهم “في الصيف من الطرحى للرحى”، وهو مثل يصور الحركة الدؤوبة التي ترافق موسم الحصاد، حيث تنتقل الحبوب من الحقول إلى الرحى لطحنها، ويعكس هذا المثل قيمة العمل المتواصل، فالصيف ليس موسمًا للراحة بقدر ما هو موسم لجني ثمار تعب امتد أشهرًا طويلة.

كما يردد كبار السن “فاكهة الشتاء نار، فاكهة الربيع نوار، فاكهة الصيف غمار، وفاكهة الخريف ثمار”، في ربط بديع بين الفصول وما يميز كل واحد منها، فالشتاء يرتبط بالدفء، والربيع بالأزهار، أما الصيف والخريف فيرمزان إلى وفرة الثمار والخيرات، في تصوير دقيق لدورة الطبيعة وتعاقب المواسم.

ومن الأمثال التي تؤكد خصوصية كل فصل قولهم “مزين الشتاء بلباسو، ومزين الربيع بنعاسو، ومزين الصيف بدراسو، ومزين الخريف بعراسو”، بمعنى أن لكل فصل ما يناسبه، فالشتاء يحتاج إلى اللباس، والربيع إلى الراحة والاعتدال، بينما يحتاج الصيف إلى العقل وحسن التدبير والاجتهاد في استغلال موسم الحصاد، أما الخريف فهو موسم حمل الغلة وجمع المحاصيل.

ولأن الصيف فصل الخير بالنسبة للفلاحين ومربي المواشي، جاء المثل “ثلاثة يربحوا: النعجة، والعويجة، والنحل إذا جا الصيف”، يركز المثل على المراعي والكلأ للأغنام، والعويجة، وهي دلالة على القمح أي السنبلة، وكذا على النحل في حال ما يجد ما يكفيه من الأزهار لإنتاج العسل، فيصبح الصيف رمزًا للبركة والزيادة في الرزق.

في المقابل، لم تغفل الحكمة الشعبية عن ذم الكسل في هذا الفصل، فجاء المثل “عطالة كي نو الصيف”، وهذا المثل يُضرب على الشخص الذي يختار التراخي في وقت ينشغل الجميع بالعمل والإنتاج، ليؤكد أن الكسل في موسم الجد يُعد تفريطًا في الرزق وإهدارًا لفرصة قد لا تتكرر.

وتكشف هذه الأمثال، والكثير منها، عن عمق العلاقة التي ربطت الإنسان الجزائري بالطبيعة، فقد كان يراقب الفصول ويستخلص منها قواعد الحياة، ثم يحولها إلى أمثال سهلة الحفظ والتداول، كما تعكس ارتباط المجتمع قديمًا بالنشاط الفلاحي، حيث كانت حياة الناس وإيقاعهم اليومي يتحددان وفق تعاقب المواسم.

ورغم التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري، وتغير أنماط العيش، ما تزال هذه الأمثال تتردد على ألسنة الكبار، وتحضر في الأحاديث اليومية، شاهدة على ذاكرة جماعية تحفظ تاريخًا من الحكمة والخبرة، فهي ليست مجرد تعبيرات لغوية، بل وثائق شفوية تؤرخ لعلاقة الإنسان بأرضه، وتؤكد أن لكل فصل حكاية، ولكل موسم حكمة، وأن الصيف في المخيال الشعبي سيظل دائمًا فصل العمل، والرزق، وجني الثمار.