موسم تجديد البيوت في عنابة

حين تعبق رائحة "الجير" شوارع المدينة

حين تعبق رائحة "الجير" شوارع المدينة
  • 289
سميرة عوام سميرة عوام

تتحول الفترة الممتدة من بداية شهر أوت، إلى منتصف شهر سبتمبر، في مدينة عنابة، إلى ورشة عمل مفتوحة، لا تهدأ داخل المنازل والأحياء؛ فمع تزامن هذه الأسابيع مع فترة العطلة السنوية الرسمية، وغلق العديد من الإدارات والمؤسسات، تستغل العائلات وقتها بالكامل، لتجديد طلاء الجدران والتنظيف العميق للبيوت. 

لا يرتبط هذا النشاط المكثف، بمجرد الرغبة في تحسين مظهر السكن، بل هو عادة صحية واجتماعية متوارثة، تستغل فيها الأسر تواجد كافة أفرادها في عطلة، لطرد رطوبة الصيف العالقة، وتجهيز المنازل بشكل مبكر لمواجهة الشتاء، ورطوبة فصل الخريف، في مشهد يعكس حيوية الأسرة، وإصرارها على استقبال الموسم الجديد ونشاط العودة ببيت دافئ، نظيف ومحمي من تقلبات الطقس.

تعتبر هذه الفترة الزمنية، الخيار الأفضل والأكثر ملاءمة للعائلات العنابية، للقيام بأعمال الدهن والتجديد؛ حيث تتيح العطلة الصيفية لكل أفراد الأسرة، خاصة الآباء والأبناء، الذين تحرروا من التزامات العمل والدراسة، الانخراط الكامل في هذه الأعمال المنزلية الكبرى، دون ضغط الوقت. كما أن شدة الحرارة تبدأ في التراجع التدريجي، مقارنة بذروة الصيف، مما يمنح الجميع قدرة أكبر على العمل الشاق داخل البيت.

تساعد حرار الجو في أواخر الصيف، على جفاف طبقات الطلاء والإسمنت بسرعة قياسية، قبل حلول أمطار الخريف الأولى. وتتنوع الأساليب بين الاستعانة بمهنيين، أو تحويل العملية إلى نشاط عائلي، يتشارك فيه الجميع؛ حيث تطلى الجدران الداخلية بالألوان الفاتحة، بينما ترصع الواجهات والأسطح بطلاء مضاد للتسربات، لضمان عدم تسرب المياه الشتوية.

ولا تكتمل عملية التجديد دون الانتقال إلى مرحلة "التنظيف العميق"، وهي العملية التي تقودها ربات البيوت بمهارة عالية، وتخطيط محكم خلال أيام العطلة. تنطلق هذه الحملة بإخراج الأثاث والفرش والزرابي الثقيلة، إلى الأسطح والشرفات الشاسعة، وتعريضها لأشعة الشمس المباشرة، بهدف تهويتها والتخلص النهائي من الفطريات ورطوبة البحر، التي تراكمت طوال الأشهر الماضية. تغسل السجادات والأغطية بالماء والمنظفات المعطرة في الأفنية، وتترك لتجف تماما في النسيم الدافئ، لضمان تخزينها أو فرشتها بنظافة تامة قبل نزول المطر. وتتحول الأسطح بمختلف السكنات في عنابة، خلال هذه الأيام، إلى لوحات زاهية الألوان، تتزاحم فيها الأفرشة والستائر المغسولة، وتفوح منها روائح النظافة، التي تعلن جاهزية البيت للموسم القادم.

تتعدى هذه الأنشطة المنزلية بُعدها العائلي الضيق، لتلقي بظلالها على الحركة الاقتصادية والاجتماعية في شوارع عنابة، خلال شهري أوت وسبتمبر. تعرف محلات بيع الطلاء ومواد البناء، ومستلزمات التنظيف في أسواق المدينة، مثل "سوق الليل" وبوزراد حسين، إقبالاً واسعا من المواطنين، لشراء فرش الدهان، ومواد الطلاء، والمطهرات. كما تخلق هذه الحملات فرص عمل موسمية، لشباب الأحياء والحرفيين في مجالات الطلاء والصيانة السريعة للأسطح والأسقف، مما ينشط الدورة الاقتصادية المحلية، ويمنح الشباب فرصة جمع مدخول إضافي، يساعدهم على تغطية مصاريف الدخول المدرسي، أو المتطلبات الاجتماعية المختلفة، قبل استئناف العمل الرسمي.

وفي العمق الاجتماعي، تعيد هذه الحركة الصيفية، خلال فترة العطلة، الدفء لروابط التضامن والتكاتف بين الجيران وأفراد العائلة الواحدة. فاستغلال الجميع لعطلتهم في نفس الوقت، يجعل التضامن والمساعدة أمرا ممكنا؛ إذ تتطلب عمليات نقل الأثاث الثقيل، ورش الأسطح وإصلاح التشققات الجدارية، تضافر الجهود. يسارع الجيران والشباب المتفرغون إلى تقديم يد العون لبعضهم البعض، وللأسر المعوزة، أو كبار السن، الذين لا يقدرون على تكاليف جلب شخص متخصص في الدهان. يتبادل الجميع أدوات الطلاء، وتتشارك النساء في إعداد وجبات خفيفة، أو صواني الشاي بالنعناع، وتقديمها للجيران المتعاونين. وهو ما يخفف عنهم التعب الجسدي.

إن حرص العائلات العنابية على استغلال فترة العطلة، بين أوت وسبتمبر، لدهن منازلها وتنظيفها تنظيفا عميقا، هو درس حي في إدارة الحياة المنزلية، والتحضير الذكي لفصل الشتاء بأبسط الإمكانيات. إنها ثقافة الاستقبال والتجدد التي تجعل من السكن مكانا مريحا، يعكس طاقة أصحابه ونظافتهم، وتثبت أن البيت العنابي ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو كائن يتنفس، ويتجدد مع كل موسم، ويستمد حيوته من تكاتف أفراده وشغفهم بالنظافة والأصالة. وستبقى رائحة الطلاء الجديد والجير، بمثابة إعلان عن بداية موسم آخر، دون رطوبة خانقة داخل المنازل.