سياحة في إرث باقٍ وفن راقٍ.. بنكهات الاستقلال
حين تحتفي ألوان الراية بالموروث الجزائري
- 130
أحلام محي الدين
❊ أذواق وألوان تعكس الرقي الحضاري والإبداعي
❊ حب الوطن مسؤولية تتجدد في كل جيل وعهد نحمله جميعا
نظمت الهيئة الوطنية للذوق والإبداع في فنون الطهي، التابعة للمرصد الوطني للسياحة والفندقة، مؤخرا، بالتنسيق مع بلدية الأبيار في الجزائر العاصمة، معرضا وطنيا، بمناسبة إحياء الذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال، على مستوى مركز الأبيار الثقافي "رويشد"، بمشاركة 111 عارض، في أجواء طبعها الإبداع، حيث حرصت الحرائر والمشاركون على إظهار جماليات الموروث الثقافي الجزائري في الطبخ واللباس والزينة، وسط ألوان الراية الوطنية، التي تربعت على كل شبر من الأعمال والمشغولات، في صورة تعكس الفخر بالوطن والانتماء إليه، والحرص على الحفاظ على كنوزه الثمينة.
جاءت هذه التظاهرة الثقافية والتراثية مميزة، لتختزل عبق التاريخ وجاذبية الأصالة، فالمعرض الذي أُقيم تحت إشراف الأستاذة رقية شقروش، جاء ليمزج بين فرحة الاستقلال وصون الذاكرة الوطنية، معززاً قيم الانتماء عبر رحلة بصرية وحسية في عمق الموروث الثقافي الجزائري، بشعار "سياحة في إرث باقٍ وفن راقٍ... بنكهات الاستقلال"، بمشاركة عارضين قدِموا من مختلف ولايات الوطن، عمدوا إلى تقديم أجمل ما يعكس ولاياتهم في باب الإبداع والفنون، حيث خُصصت أجنحة لعرض الأطباق التقليدية والحلويات واللباس التقليدي الجزائري، وأيضا المشغولات اليدوية لتجسيد التنوع وثراء الموروث الثقافي الوطني.
شكل المعرض فضاءً للتعريف بالعادات والتقاليد الجزائرية، وإبراز أصالة فنون الطبخ واللباس التقليدي، حيث كان "الرايب" واللبن، الزبدة، الجبن والشكوة حاضرين من عمق الصحراء الجزائرية لرواية قصة الغذاء الصحي الذي كان ولا يزال رفيق الجزائريين، إلى جانب ترسيخ قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية، تزامناً مع الاحتفال بذكرى استرجاع السيادة الوطنية، حيث حملت ألوان الراية، المشغولات والحلويات التقليدية التي تزينت بألوانها جل الطاولات.
كل وصفة حكاية وكل نكهة رسالة
من جهتها، أكدت الأستاذة رقية شقروش، ممثلة الهيئة الوطنية للذوق والإبداع في فنون الطهي، التابعة للمرصد الوطني للسياحة والفندقة، أن هذا المعرض الثري والفني، جاء بمناسبة الاحتفال بعيد الاستقلال والشباب (5 جويلية)، ويجمع بين أصالة التراث الجزائري وروح الإبداع والعطاء، في لوحة وطنية تعكس تنوع الفنون بولايات الوطن ووحدة أبنائه. وفي تصريح لـ"المساء"، قالت "عكس المعرض الذوق الفريد للأطباق والحلويات التقليدية الجزائرية والعصرية والعجائن التقليدية، التي كانت ولا تزال فخر مطابخنا، إلى جانب وجود جناح خاص لمرضى السيلياك، في صورة تشير إلى الاهتمام بغذاء المرضى، وجناح آخر خاص لعرض الأزياء، لسفير اللباس التقليدي إسماعيل حجوجة نصر الدين، إلى جانب عرض للحرف بمختلف أنواعها، مع ورشة حية للشاف الصغير في وصفة "البنيون"، أقدم وصفة حلويات جزائرية، في تشجيع مباشر للأجيال القادمة على الإبداع فيما تحب".
وأضافت شقروش، أنه تم عرض جناح لطاولة الاستقلال، عُرضت بها الأطباق المنسية التي كانت يوم الاستقلال، وكذا شجرة الحرية التي علق فيها ضيوف الشرف أمنياتهم للوطن، مع الإشارة إلى مشاركة 111 عارض، إلى جانب ضيوف الشرف، وجمعيات بلدية الأبيار ساهمت في العرض، مع حضور إعلامي أساسي، لإبراز المجهودات.
..عهد نحمله لبناء وطن قوي
أكدت شقروش أيضا، أن اختيار هذا التاريخ المبارك “5 جويلية” له رمزية خاصة، قائلة “نجتمع اليوم لنستحضر معاً معاني الانتماء والفخر، ونؤكد أن الاستقلال ليس حدثا مضى، بل مسؤولية تتجدد في كل جيل وعهد نحمله جميعاً لبناء وطن قوي وأكثر ازدهارا”، وأشارت إلى أنها اختارت التعبير عن حب الوطن، من خلال المعرض بطريقة تجمع بين الأصالة والإبداع، حيث استُلهمت الحلويات من نكهات الاستقلال، لتكون كل وصفة حكاية، وكل نكهة رسالة وكل لون، تجسيداً لروح الوطن وتاريخه العريق، فهي ليست أطعمة فحسب، بل رموز تحمل عبق التراث، وتعكس اعتزازنا بهويتنا الوطنية وثقافتنا الأصيلة.
في الختام، أوضحت شقروش أن المعرض مناسبة، نستذكر من خلالها تضحيات من صنعوا الاستقلال ونستلهم منهم قيم العطاء، ونجدد عهد الوفاء لوطننا، محافظين على وحدته ومساهمين في تقدمه، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار، مضيفة أن هذا الموروث جزء لا يتجزأ من تاريخنا وذاكرتنا الوطنية، فمعرض الأبيار الإبداعي، رسالة وفاء وتأكيد على أن "الإرث الباقي والفن الراقي"، هما الحصن المنيع لحماية الهوية الجزائرية، وأن ثمار الاستقلال تتجلى في قدرة الأجيال على الاعتزاز بجذورها وتقديمها للعالم في أبهى حلة.
من جهته، أشار رئيس المرصد الوطني للسياحة والفندقة، السيد محمد أمين مهال، في تصريح لـ"المساء"، إلى اختيار المركز الثقافي بالأبيار، الذي يعد صرحا ثقافيا، لإبراز جمال الموروث الجزائري، موضحا أن الاحتفالية جاءت لتمجيد شهدائنا الأبرار وغرس روح الوطنية في أبنائنا، لإبراز حب هذا الوطن والافتخار به، مؤكداً إمكانية تنظيمها خلال السنوات القادمة، وقدم شكره لرئيس المجلس الشعبي لبلدية الأبيار ووالي العاصمة على الاهتمام بهذه الاحتفالات. كما أوضح مهال، أن من مبادئ المرصد الوطني، الحفاظ على الموروث المادي وغير المادي، ومرافقة الفنادق الفخمة مع الحفاظ على اللمسة التقليدية، وإحياء العادات والتقاليد التي تمتاز بها بلادنا، تزامناً مع المناسبات التاريخية والموسمية، كاليوم الوطني للسياحة أو يوم الفنان.
رحلة في عمق الموروث... طبخ، لباس وزينة
تحول معرض الإرث الباقي، إلى فضاء ساحر، يأخذ الزائر في"سياحة" حقيقية بين أروقة التاريخ الإنساني والجمالي للجزائر، وقد ركزت الأجنحة على محاور عديدة، تشكل الإبداع في المشغولات وكذا اللباس التقليدي وفن الطبخ الجزائري الأصيل، إذ فاحت أرجاء المركز برائحة الأطباق التقليدية بنكهتها الزكية، والحلويات الشهية التي تختزل تنوع الثقافة الحضرية والريفية للجزائر، فهي أطباق تحمل جهود وإبداع الأمهات والجدات، وحكاية تضامن وأصالة توارثتها الأجيال، وقدمت بنكهات استحضرت أجواء الاحتفالات والحرية، وكذا الأيام العصيبة التي مر بها رجال الحرية، وسط الجوع المدقع، وكيف كانت تتفنن الحرائر في إعداد مختلف أنواع الخبز والحلويات، التي لا تتعرض للتلف سريعاً، لاسيما وأن الدخول إلى البيت وحمل الطعام كان حلماً، وسط الحراسة المشددة للمستعمر على وقع الرشاش والطائرات.
عرضت الشاف وافية من ولاية خنشلة، صورة لغذاء الجزائريين والمجاهدين خلال معركة التحرير المباركة، مشيرة إلى أن المجاهدين والأهالي كانوا وقتذاك، يتناولون ما تنتجه الأرض من قمح وزيت زيتون، وما يُحلب من الشاة، قائلة إن الطعام كان 100 بالمائة طبيعياً، من شعير وقمح وأطعمة لم تكن تمسها النار، لعدم وجود المواقد، على غرار "خمير الشعير" الذي كان يُحضر من خلال نقع الشعير في الماء والملح، حتى يصبح جاهزاً للاستهلاك، إذ كانت تفضل الحرائر تحضيره على إشعال المواقد حتى لا تُرى لها شعلة ولا تُشم لها رائحة، فبصمت ثقيل كانت تُحضر الوجبات الباردة، حتى لا ينتبه المستعمر، كما كان المجاهدون يحملون معهم "طمينة المرمز" و"الزيراوي" و"بوحسة"، وهو نوع من جبن الماعز الذي يحتاج شهراً كاملاً من التخمير ليصبح جاهزاً.