البدو الرحل في الصيف
حياة قاسية بلسمها التكافل الاجتماعي
- 132
لفقير علي سالم
تحتل المناطق الصحراوية والبدوية بولاية تندوف، حصة الأسد من المساحة الإجمالية المقدرة بـ 159 ألف كيلومتر مربع، وتمتاز هذه الصحاري الشاسعة بامتداد كبير للسهول المعروفة في أدبيات البدو الرحل بـ"الرق"، كما تتوفر بعض المناطق على الكثبان الرملية، ويغلب عليها الطابع الصحراوي شديد الجفاف، مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، ويستخدم البدو الرحل بهذه المناطق الشاسعة، أماكن للرعي التقليدي، خاصة في مجال تربية الإبل، التي تعتبر النشاط الغالب لدى سكان البدو الرحل.
رغم المناخ القاسي والطبيعة الجغرافية الصعبة، تبقى العادات والتقاليد قائمة بكل عنفوان، رغم الشدة والجفاف، وفي هذا السياق، نحاول ضمن هذه الإطلالة الصيفية، تسليط الضوء على واقع حياة البدو الرحل التي تمتاز بالرتابة والهدوء والبساطة، وهي نتاج التكيف مع البيئة الصحراوية القاسية. ترتبط أنماط العيش بالمناخ ومدى توفر المياه والعشب، وفي هذا الإطار اتصلت "المساء"، خلال جولتها، بمحمد سالم، أحد سكان منطقة بوعكبة، وهي منطقة صحراوية شديدة الحرارة بضواحي بلدية أم العسل، وتعرف لدى السكان بقربها من العديد من الأماكن الأثرية والطبيعية المسجلة ضمن منطقة الحضيرة الثقافية بتندوف، وتندرج ضمن المسارات الصحراوية في شمال الولاية.
إذ تحدث محمد، عن حياة البدو التي تعتمد على الترحال، بحثا عن الماء والكلاء، وتنتقل عائلة محمد سالم، بمواشيها إلى المناطق الأكثر عشبا وتوفرا للموارد المائية، لاسيما أشجار الطلح التي تعد غذاء للإبل، كما كشف عن تنظيم الحياة الاجتماعية في فصل الصيف، في ظل الظروف المناخية القاسية، والتي ترتكز على حسن تدبير الشأن العائلي، إذ يتم إنجاز الأعمال الشاقة في الصباح الباكر أو بعد الغروب.
بينما تخصص ساعات الظهيرة للراحة داخل الخيمة، اتقاء لحرارة الشمس اللافحة، وهو ما يطلق عليه سكان البادية اسم "لمغيل"، أي القيلولة، وأشار محمد سالم إلى المكانة التاريخية التي تحتلها الخيمة في حياة البدو الرحل، كونها، كما يقول، مركز الحياة الأسرية ومكانا لاستقبال الضيوف وإكرامهم، من خلال تقديم الشاي الصحراوي لهم على ثلاث جولات، أي ثلاثة كؤوس، وفق تقاليد راسخة.
ومن أبرز ما لفت انتباه "المساء"؛ التفنن في تتبع قطعان الماشية ومعرفة وجهتها، حيث تمثل الإبل الثروة الأساسية ومصدر عيش البدو الرحل، فمنها يأكلون ومنها يلبسون وبوبرها يسكنون، وفي المساء حينما تبدأ الشمس في الأفول، تجتمع العائلات حول حلقات أماسي الأدب والشعر والحكايات الشعبية القديمة، في جو من السمر، بعد يوم كامل من الحر والصقيع.
ومن أبرز ما يعلق في الذهن، تلك اللحمة الاجتماعية التي تطبع حياة البدو الرحل، خاصة في هذا الصيف الحارق، حيث يتعاون أفراد الأسرة على تقديم المساعدات لغيرهم من العائلات، خاصة أثناء شد الأمتعة للرحيل نحو أماكن أخرى أكثر استقرارا، لقضاء ما تبقى من أيام الصيف الملتهبة. ويعتمد البدو الرحل على غذاء صحي متميز، تتصدره خبزة "الملة" التقليدية، التي تدفن في التراب ويضاف إليها دهن الماعز، وتقدم كوجبة شهية للضيف في فصل الصيف.