مرافقة التلاميذ إلى المدرسة
حماية للأبناء أم سلوك مبالغ فيه؟
- 185
سميرة عوام
تعتبر ظاهرة مرافقة الأطفال والأبناء إلى المدارس، من أبرز المشاهد اليومية، التي تصادفك في شوارع ولاية عنابة، مع كل صباح، ولم تعد هذه الظاهرة مجرد سلوك عابر، أو حركة عفوية، تقتصر على صغار المرحلة الابتدائية فقط، بل أضحت اليوم، عادة راسخة وواقعا ملموسا، يخص تلاميذ مختلف الأطوار التعليمية، بداية من الابتدائي، مرورا بالمتوسط ووصولا إلى المرحلة الثانوية، حيث تخرج الأمهات رفقة أبنائهن، وترى الأم تسير جنبا إلى جنب مع ابنها أو ابنتها، تحضر له أدواته، وتحمل عنه حقيبته المدرسية في كثير من الأحيان، ولا تغادر المكان، حتى تتأكد بعينيها من دخوله الآمن عبر باب المؤسسة التربوية.
تتحرك الأمهات في شوارع عنابة، بنوع من الحرص الشديد، والرغبة الدائمة في توفير الأمان التام لأبنائهن، وهي رغبة نابعة من قلب الأم الذي لا يهدأ، إلا إذا اطمأن على سلامتهم، وتتعدد الأسباب والظروف التي تدفع الأمهات للخروج اليومي وفي كل الأحوال الجوية، سواء في حر الصيف أو في برد الشتاء وأمطاره. وفي مقدمة هذه الأسباب، يأتي الخوف الشديد من مخاطر الطرقات وحركة السيارات السريعة، خاصة أمام المدارس التي تقع على حافة الشوارع الرئيسية، إلى جانب الخوف من الانحرافات والمخاطر الميدانية المختلفة، التي قد تواجه الأطفال في طريقهم.
بالإضافة إلى عنصر الحماية والأمان، توفر هذه المرافقة اليومية، فرصة ثمينة للأم لمتابعة المسار الدراسي لابنها عن قرب. فالكثير من الأمهات يستغلن فترة الانتظار أمام باب المدرسة، للحديث المباشر مع المعلمين والأساتذة أو الإدارة، والسؤال عن المستوى التعليمي للطفل، ومعرفة مواظبته وسلوكه داخل القسم. كما أن هذا المشهد اليومي يعطي الطفل دعما نفسيا كبيرا، وشعورا بالراحة والاطمئنان، حيث يشعر بأن هناك من يقف بجانبه، ويهتم بتفاصيل يومه الدراسي من البداية إلى النهاية.
غير أن هذا التواجد اليومي والالتزام المستمر أمام أبواب المدارس، يطرح تحديا كبيرا وصعوبة بالغة بالنسبة لفئة الأمهات العاملات. فالكثير من النساء اللائي يشتغلن في الإدارات أو المؤسسات الخاصة والعمومية، وكذلك التعليم، يجدن أنفسهن في حيرة كبيرة وضغط نفسي شديد، بسبب عدم القدرة على التوفيق بين التزامات ساعات العمل اليومية، ومواعيد خروج ودخول أبنائهن من وإلى المدارس. هذا الوضع جعل الأمهات العاملات يعشن حالة دائمة من القلق والبحث عن حلول آمنة، تضمن سلامة أطفالهن دون الإضرار بوظائفهن.
دور الجمعيات في مساعدة الأمهات العاملات
وهنا بالضبط، برز الدور الإيجابي والملموس للمجتمع المدني في ولاية عنابة، حيث بادرت مجموعة من الجمعيات الفاعلة بالمنطقة، إلى إيجاد حل عملي وذكي يحل هذه المشكلة من جذورها. وقد قامت هذه الجمعيات بتنظيم وتأطير مبادرة اجتماعية جديدة، تتمثل في توظيف وتكليف نساء موثوقات ومؤهلات من أبناء الأحياء نفسها، لمرافقة أطفال الأمهات العاملات من البيت إلى المدرسة في الصباح، وإعادتهم سالمين عند نهاية الدوام المباشر، مقابل اشتراك مالي شهري بسيط ومناسب لجميع الأطراف.
حققت هذه المبادرة الاستثنائية، التي أطلقتها جمعيات عنابة، نجاحا كبيرا، ولقيت استحسانا واسعا بين العائلات، لأنها ضربت عصفورين بحجر واحد؛ فمن جهة، وفرت مناصب شغل وفرص عمل لعدد من النساء والماكثات في البيت، مع تحسين مستواهن المعيشي، ومن جهة أخرى، رفعت العبء والثقل الكبير عن كاهل الأمهات العاملات اللائي أصبحن يذهبن إلى عملهن ببال مرتاح ونفس هادئة، وهن متأكدات من أن أبناءهن في أيدٍ أمينة وحراسة دائمة من طرف نساء مشهود لهن بالثقة والأمانة.
رغم الأهمية الكبيرة لهذه الظاهرة والمرافقة النفسية، التي تقدمها للأطفال من حماية ورعاية، إلا أن هناك أراء وملاحظات من بعض المختصين في التربية وعلم النفس، حيث يرى البعض أن مرافقة الأبناء في المراحل المتقدمة، مثل مرحلة المتوسط، وخاصة الثانوي، قد تؤدي في بعض الأحيان، إلى تقليل اعتماده على نفسه وتضعف من بناء شخصيته المستقلة، كما قد تسبب خجلا لبعض المراهقين أمام زملائهم في المدرسة. لذلك ينصح المربون بضرورة التدرج في ترك مساحة من الحرية والاستقلالية للطفل، كلما كبر سنه، مع بقاء المراقبة والتوجيه من بعيد.
وعليه، تعتبر ظاهرة مرافقة الأمهات لأبنائهن إلى المدارس، عن مدى الحب الحقيقي والحرص الأسري الكبير على حماية الجيل الجديد، وتوفير أحسن الظروف لتعلمه ونجاحه. ورغم كل التعب والمشقة التي تتكبدها الأم يوميا في الذهاب والإياب، ورغم الآراء المختلفة حول موضوع الاستقلالية، إلا أنها تبقى صورة حية ومشرقة للأمومة المعطاءة، ومثالا رائعا للتكافل الاجتماعي، والحلول المبتكرة التي يقدمها المجتمع المدني لخدمة الأسرة والمحافظة على سلامة المتمدرسين من مخاطر المجتمع.