المختص في طب العظام والمفاصل عيسى باسليمان لـ"المساء":
حماية كبار السن من حوادث السقوط تضمن لهم شيخوخة آمنة
- 209
رشيدة بلال
يعود الحديث في كل مرة تحيي فيها الجزائر اليوم الوطني للمسن، إلى الواقع الديموغرافي الجديد. فمع ارتفاع متوسط العمر بفضل تحسن الرعاية الصحية، يشهد المجتمع نموا ملحوظاً في هذه الفئة العمرية التي تُعد بركة البيوت، وتحظى بتقدير عالٍ في قيم المجتمع الجزائري. هذا التحول ـ حسب الدكتور عيسى باسليمان، طبيب مختص في العظام والمفاصل والتأهيل الوظيفي ـ يفرض اليوم مسؤولية مضاعفة، خاصة مع ازدياد الحالات الصحية التي تحتاج لرعاية تخصصية دقيقة، وفي مقدمتها إصابات الكسور التي تؤثر بشكل مباشر على جودة حياة كبار السن. ويكشف الدكتور عيسى باسليمان في هذا الحوار، أهم أسباب السقوط عند كبار السن، وآثارها السلبية، ويبرز أهم النصائح التي تضمن لهم شيخوخة آمنة.
❊ المساء : بداية، إلى أي مدى يؤثر حادث السقوط على كبار السن؟
❊ الدكتور عيسى باسليمان: في الحقيقة، حوادث السقوط التي نراها ما هي إلا "القطرة التي أفاضت الكأس". فالكسر عند المسن لا يحدث فجأة لمجرد تعثر بسيط، بل هو نتيجة تضافر عدة عوامل اجتمعت في صحة الشخص المسن، وجعلت عظامه هشة، وقابلة للكسر بأقل مجهود أو أبسط حادث.
ومن بين هذه الأسباب هشاشة العظام التراكمية التي تضعف البنية الداخلية للعظم مع مرور السنين، إلى جانب الأمراض المزمنة، وتداخل الأدوية؛ فتناول بعض الأدوية لفترات طويلة مثل الكورتيكويد، أو بعض أدوية المعدة أو الصرع، يساهم بشكل مباشر، في زيادة هشاشة العظام كأثر جانبي، فضلاً عن ضعف التوازن العضلي العصبي، الذي يجعل المسن عاجزاً عن تدارك نفسه عند التعثر البسيط.
❊ فيمَ تتمثل الآثار الناجمة عن حوادث الكسور؟
❊ الآثار الناجمة عن الكسور عند كبار السن تتجاوز مجرد إصابة جسدية عابرة؛ فهي تؤثر على المسن من جوانب متعددة مترابطة، تجعل من الكسر حادثاً يغير مجرى حياته، وحياة أسرته بالكامل.
فمن الناحية الجسدية، يفرض الكسر في كثير من الأحيان، المكوث الطويل في الفراش، ما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة؛ مثل الجلطات الوريدية التي قد تنتقل إلى الرئة، إضافة إلى التهابات رئوية حادة، وقروح الفراش الناتجة عن الضغط المستمر، وقلة الحركة. وهي حالات صعبة الالتئام لدى المسنين. كما تتدهور الحالة العامة نتيجة ضعف الجهاز المناعي، واضطراب وظائف الكلى، والجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى فقدان الشهية، والوهن العام. أما من الناحية الوظيفية، فقد يفقد المسن استقلاليته بشكل كبير، حيث يعاني من عجز حركي حتى بعد التئام الكسر. ويصبح بحاجة دائمة إلى وسائل مساعدة، أو مرافق في حياته اليومية، وهو ما يولد لديه شعوراً بفقدان الكرامة.
وعلى الصعيد النفسي، تظهر ما يُعرف بمتلازمة ما بعد السقوط، حيث يصاب المسن بخوف شديد من تكرار التجربة، فيرفض الوقوف أو المشي رغم تعافيه الجسدي. وقد يتطور الأمر إلى الاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وهو ما ينعكس بدوره على محيطه الأسري، الذي يجد نفسه أمام أعباء جديدة، تتطلب رعاية مستمرة، وتكاليف علاجية، وإعادة تأهيل طويلة.
❊ ما هي التوصيات الطبية والوقائية لتجنب هذه الكسور؟
❊ الوقاية من الكسور تقوم على استراتيجية متكاملة تبدأ من الداخل؛ إذ من الضروري الانتباه إلى مشكلة مقاومة الأنسولين التي تُعد من العوامل الخفية المؤثرة على صحة العظام، والجهاز العصبي، حيث تؤدي إلى ضعف جودة العظام، وتآكل الكتلة العضلية، واضطراب التوازن، ما يزيد من خطر السقوط. كما ينبغي الحرص على المراجعة الدورية للأدوية؛ لتفادي الآثار الجانبية التي قد تزيد من هشاشة العظام، أو تسبب الدوار، إضافة إلى دعم كثافة العظام من خلال ضمان مستويات كافية من فيتامين "د" والكالسيوم، مع أهمية الفحص الدوري للنظر، والتوازن؛ لتقليل مخاطر التعثر.
❊ ألا تعتقد أن المنازل تساهم في رفع معدلات الكسور عند كبار السن؟
❊ بالفعل. تلعب البيئة المنزلية دوراً كبيراً في حدوث السقوط، وهو ما يستدعي ضرورة تهيئتها بشكل آمن، من خلال إزالة السجاد المزلق، والأسلاك، والعوائق الأرضية التي تكون في كثير من الأحيان سبباً مباشراً للحوادث، إلى جانب توفير إضاءة مناسبة خاصة في الليل، وتثبيت مقابض استناد في الحمامات والممرات. كما تبقى الحركة المنتظمة وعلى رأسها المشي والتمارين البسيطة، عاملاً أساسياً في الوقاية؛ فهي لا تقوي العظام فحسب، بل تساعد أيضاً، على تحسين حساسية الأنسولين، وتقوية العضلات التي تحمي الهيكل العظمي.
❊ كبار السن هم بركة المنازل، بِم تنصح؟
❊ لا بد من تأكيد أن كبارنا هم ذاكرتنا الحية، وبركة بيوتنا، وهم الفئة التي أفنت عمرها في العطاء. وقيمنا الجزائرية الأصيلة تفرض علينا أن نجعل راحتهم وسلامتهم أولوية قصوى؛ لذلك تبقى النصيحة الأهم هي الحرص على النشاط البدني المكيّف، وعلى رأسه المشي اليومي الذي يحافظ على قوة العضلات، وتوازن الجسم، إلى جانب التعرض المنتظم لأشعة الشمس لتأمين حاجة الجسم من فيتامين "د"، وهو عنصر أساسي لضمان صلابة العظام، وتحقيق شيخوخة آمنة، وكريمة.