من "قهوة العاصر" إلى مجالس الضيافة
حكاية موروث يُرتشف في كل فنجان
- 70
وردة زرقين
تعد القهوة لغة إنسانية تتجاوز الحدود والثقافات، وهي لا تقاس بعدد الفناجين التي تُرتشف، بل بما تحمله من معان تتجاوز مذاقها ورائحتها، وظلت تحتفظ بسحرها على مر التاريخ، لتروي في كل فنجان حكاية، ففي الجزائر، ارتبطت بطقوس الضيافة، ومجالس الفكر، وأحاديث العائلة والأصدقاء، والمناسبات الاجتماعية، بالتالي، فهي ليست مشروبا يوميا، بل جزء من الموروث الثقافي، وعلامة راسخة في الوجدان الجزائري.
للقهوة نكهة خاصة لدى سكان قالمة، بصفة خاصة، وسكان الجزائر بصفة عامة، على غرار بقية سكان العالم، ولها صيت ونكهة، ومن عادات ناس قالمة، قديما، أنهم كانوا لا يستغنون عن "قهوة العاصر"، خاصة بعد القيلولة في فصل الصيف، فكان تحضيرها وإعدادها ضمن البرنامج اليومي للعائلات القالمية، وهذه العادة لا تزال إلى يومنا هذا لدى أغلبيتها.
إعداد القهوة بين الأمس واليوم
أما طريقة الإعداد بين الأمس واليوم، فهي تختلف، حيث كان يتم شراء حبات القهوة من المحلات، وتقوم النساء بتحميصها، مع إضافة حبات الحمص، وترسلها إلى طاحونة بما يُعرف "الرْحى"، ويقوم صانع القهوة بطحنها حتى تصبح مسحوقا، ليتم تناوله، فتعبق القهوة الشوارع برائحتها القوية، أو تقوم النساء بعملية طحنها في المنزل باستعمال الطاحونة التقليدية.
تعد قهوة "العاصر" من عادات ناس قالمة، خاصة "القهوة المْلَقْمَة" (سابقا)، حيث يغلي الماء في الإبريق، بإضافة البن على حسب الذوق وعدد أفراد الأسرة، وعندما تصل القهوة إلى درجة الغليان، مع تحريكها بالملعقة، يسحب الإبريق من النار لثوان، ثم يعاد، وتكرر العملية لعدة مرات، إلى أن تتكون رغوة، مع انتشار رائحتها المحببة، ثم تقدم القهوة في فناجين مرصوصة في صينية من نحاس.
ونذكر أيضا من العادات القديمة، أنه كان يتم إعداد القهوة على الجمر في "الكانون" المصنوع من الطين، حيث تنبعث رائحة فواحة، وتقدم في إبريق خاص يطغى عليه اللون الأزرق أو الأحمر، وتلك علامة المنتوج الوطني التي كانت سائدة، فيما أصبحت القهوة اليوم، تطهى في أغلب البيوت القالمية خصوصا، والجزائرية عموما، في أداة تسمى "كافتيار".
القهوة في الأفراح والأتراح
تُعد القهوة وسيلة إيجابية ليس فقط في تنشيط التفكير، بل أيضا في تعزيز قيم الكرم والضيافة، كما أنها تقوم بدور حيوي وفعال في عمليات التواصل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات. وارتبطت عادة بكرم الضيافة وإكرام الزائر والاحتفاء به، كنوع من الاهتمام والتكريم، وظلت عنوانا لحسن الضيافة، وسفيرة فوق العادة لقيم الكرم وعمليات التواصل الاجتماعي، وقد ارتبط اسمها في كثير من المناسبات الاجتماعية، من استقبال وأفراح وأتراح، بالإضافة إلى خاصية التواصل وتعزيز العلاقات الاجتماعية، فالقهوة تقدم للضيوف في الأفراح، من الخطبة والزواج والنجاحات وغيرها، وفي الأتراح، حين يزور الناس العائلة المنكوبة، قصد المواساة، كما تقدم أثناء الصلح وإنهاء المخالفات، وأيضا أثناء الصحبة والألفة، وتجمع العائلة والأصدقاء حول صينية، وكذا خلال انتظار شخص في مقهى، وارتبطت كثيرا بالكتاب والشعراء والمثقفين للتأمل والسهر.
آداب وطقوس شرب القهوة
رغم التطور والانفتاح على العالم، لا تزال قالمة، والجزائر عامة، تحافظ على موروثها المادي والثقافي، ووفية لعاداتها وتقاليدها التي لم تندثر إلى حد الساعة، ما يؤكد على أصالة وعراقة الجزائر، ولا يكتمل تقديم القهوة بدون الصينية المميزة، عليها مجموعة من الفناجين المختارة بعناية، ومعها طقم الصينية، ومن "المرش" الذي يوضع فيه ماء الزهر، و"السكرية"، و"حاملة المناديل"، والحلويات، فتظهر القهوة كالوشم في حنايا الروح تسعد العين عند رؤيتها.
وتُقدم قهوة "العاصر" عادة مع بعض الحلويات، أو "كسرة رخسيس"، أو"السفنج" وغيرها، وفي حالة عدم وجود الحلويات، تكون مقتصرة فقط على التمر أو المربى، سواء المصنوع بالمنزل أو المشتري، وإذا شُربت القهوة مع التمر، يجب أن يكون عدد التمر بأرقام فردية (وتر)، على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتبط التمر في الجزائر، عادة بالقهوة، ودائما ما يقدم معها حتى ولو توفرت أرقى وألذ الحلويات. فعندما يُقدم لا بد من تقديم القهوة، لأن التمر حلو، والقهوة بمرارتها وخلوها من السكر، تعادل حلاوته.
ونشير إلى أنه، إضافة إلى قهوة "البن" المعروفة، هناك نوع آخر من القهوة، وهي قهوة "التمر"، التي تُعد من نوى التمر الغني بالأحماض، بعد غسله وتجفيفه في الشمس، ثم يتم تحميصه وطحنه كما تُحمص وتُطحن قهوة "البن" العادية، ويتم إعدادها، تماما كطريقة إعداد القهوة العادية. ويُستحب أن يكون شرب كمية القهوة على هيئة جرعات صغيرة متتابعة، أفضل من شرب تلك الكمية جرعة واحدة، حيث تقول الحكمة السائدة "الفنجان اللول للرأس، والثاني للبأس، والثالث للبس"، بمعنى الأول يزيل النعاس، والثاني يزيد الشجاعة، والثالث في حالة اختلال الأمور.
وتعتمد القهوة على حاسة الذوق، لكنها تمتاز بقوة النكهة والرائحة التي يعشقها محبوها، فهي تؤثر على الدماغ أو الرأس، وتذهب الخمول وتقضي على الكسل، وتنشط الذهن، وهناك استخدامات أخرى متعددة لها، حيث تساعد القهوة على هضم الطعام بعد تناوله، فيما يستخدم مسحوق “البن” لإيقاف نزيف الدم عند الإصابة بالجروح.
في المحاجيات والأمثال الشعبية
لعبت القهوة دورا محوريا في ترسيخ الحياة الاجتماعية الجزائرية عموما، والقالمية خصوصا، بما في ذلك المعتقدات الشعبية، وتعتبر من أكثر العناصر التراثية تغلغلا في الحياة الشعبية للأفراد في المجتمع الجزائري، فتجتمع العائلات على صينية القهوة بعد صلاة العصر يوميا، مع حلويات تقليدية، باستحضار المثل الشائع "قهوة العاصر تَنَحِّي السطر من المفاصل".
وفي عالم القهوة، لا تخلو المجالس من الطرائف التي تكشف مكانتها في الوجدان الشعبي، ومن أكثر العبارات المتداولة في قالمة “طيبي لي قهوة يمشي عليها قريلو (صرصور) بالقبقاب"، وهي مبالغة ساخرة يقصد بها، أن تكون القهوة شديدة التركيز. كما لم تغب القهوة عن الألغاز الشعبية، لتؤكد أنها لم تكن مجرد مشروب، بل جزء من الموروث الشعبي الجزائري، الذي احتفظت به الذاكرة وتناقلته الأجيال.
على سبيل المثال، بعض المحاجيات الجزائرية تقول "حاجيتكم.. يكاوها وشوْطوها حتى عيُوها وداوْها للميعاد ما رجعوها" (تحميص وطحن القهوة)، واللغز الثاني يقول “لكحل ولبيض دخلوا في البحر يعوموا لبيض راح في ماه ولكحل قعد في لونُو" (السكر والقهوة)، أما الثالث يقول "على اللي اسمو بالفا والقاف مقابلاتو من لهيه شد القاف ورد الماء لماليه" (الفنجان والقهوة). ورغم أن الكثير من التغيرات طرأت على القهوة، سواء في الإعداد أو التقديم، إلا أن المعشوقة السمراء ما زالت تحتفظ بمكانتها في المجتمعات، وكل الأشياء الروتينية مملة، إلا قهوة "العاصر".