من ورشة تكوين إلى مشروع خاص

حرف غذائية تفتح باب الرزق للشباب

حرف غذائية تفتح باب الرزق للشباب
  • 140
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم يعد التكوين، بالنسبة للكثير من الراغبين في دخول عالم العمل، مرتبطا فقط بتعلم مهنة تقليدية، والبحث بعدها عن منصب لدى مؤسسة أو شركة، بل أصبح بالنسبة لفئة متزايدة، وسيلة لاكتساب مهارة قابلة للتحويل مباشرة، إلى مشروع صغير يدر دخلا، وفي ظل ارتفاع تكاليف بعض المشاريع، والحاجة إلى مصادر دخل مستقرة، تبرز ورشات متخصصة في مجالات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح المجال أمام نشاط اقتصادي، يمكن تطويره تدريجيا من داخل المنزل، أو في ورشة صغيرة، مثل صناعة الأجبان، تحضير المخللات، حفظ الفواكه وتجفيفها، صناعة الشكولاطة، إضافة إلى تربية النحل وإنتاج العسل، وغيرها من التخصصات التي أصبحت تحضر ضمن عروض التكوين القصيرة، التي تقدمها بعض المراكز والهياكل المتخصصة، تتيح فرصة تقديم مهارات لشباب من مختلف الأعمار، سهلة الإتقان، وتفتح آفاقا كبيرة لتكوين المشاريع الخاصة.

هذا النوع من التكوين، يكتسب أهمية خاصة مع الدخول الاجتماعي، حيث يبحث كثير من الشباب والنساء عن فرصة، تمنحهم مهارة عملية، بدل انتظار وظيفة، بينما تعمل مراكز التكوين على تقديم ورشات مكثفة، في مجالات مرتبطة بالمنتجات الغذائية والحرف القابلة للتسويق، ولا تقتصر عملية التعريف بهذه الدورات على الإعلانات التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، أين تنشر المراكز تفاصيل الورشات ومواعيدها وشروط التسجيل، وأسعار كل دورة، حيث تعرض في كثير من الأحيان، صور وفيديوهات من الحصص التطبيقية والمنتجات، التي يتم تحضيرها خلال التكوين، وهو ما جعل الوصول إلى هذه الفرص، أسهل بالنسبة للراغبين في تعلم حرفة، وبدء نشاط جديد.

تساعد مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، في التعريف بهذه الورشات، فصفحات المراكز أصبحت فضاء لعرض برامج التكوين، ونشر مواعيد التسجيل واستقطاب المهتمين، كما تسمح الصور والفيديوهات الخاصة بالورشات للمتابع، بالتعرف مسبقا على طبيعة التكوين وما يمكن تعلمه، وفي المقابل، تحولت المنصات نفسها إلى سوق بالنسبة للمتكونين، حيث يمكن لصاحب مشروع صغير، أن يعرض منتجاته ويصل إلى زبائن خارج محيطه المباشر، الأمر الذي جعل العلاقة بين التكوين والتسويق أكثر ترابطا من السابق.

ومن بين الورشات التي تستقطب اهتماما متزايدا؛ صناعة الأجبان، كحرفة تقوم على تحويل الحليب إلى منتجات مختلفة، وفق تقنيات تتعلق بالتخمير والتصفية والتمليح والحفظ، ولا يتوقف التكوين فيها عند الجانب النظري، بل يعتمد أساسا على التطبيق، حتى يتعرف المتربص على مراحل العمل، وطريقة التحكم في جودة المنتج وشروط النظافة والتخزين، وهي عناصر أساسية بالنسبة لأي شخص يفكر في تحويل هذه المهارة إلى نشاط تجاري صغير، سواء من خلال البيع المباشر، أو تزويد المحلات والمطاعم بمنتجات محلية، بعضها مميز عن ما هو متوفر في السوق، أو بديل محلي لمنتجات أجنبية، قد تكون مرتفعة التكلفة.

حول هذا الموضوع، تحدث أسامة رزين، صاحب ورشة تكوين ببلدية باب الزوار، مختصة في التكوين قصير الأجل، لـ"المساء”، والذي يتخصص في الصناعة الغذائية، إذ قال إن هناك العديد من المراكز التي تنتشر بين عدد من بلديات العاصمة، وتمنح تكوينا قصير الفترة لشباب ونساء ورجال، وحتى بعض المتقاعدين، الذين يرغبون في تحويل اهتمامهم نحو عالم الأعمال، من خلال اكتساب مهارة جديدة وتحويلها إلى مشروع صغير، موضحا أن تلك الورشات تتعدد تخصصاتها، منها الخاصة بالعمليات التحويلية، مثل الأجبان والشكولاطة والمربى وغيرها، ومنها الإنتاج والتغليف وغيرها من مهارات التسويق، حيث توفر تلك الورشات، جانبا نظريا وآخر عملا تطبيقيا، من أجل التأكد من جودة المنتجات التي يتم تحقيقها في تلك الدورات.

وذكر أن ورشات أخرى، تتخصص في صناعة المخللات وحفظ الخضر والفواكه، هي الأخرى جد رائجة، وأكد أن التكوين في هذا المجال، لا يتعلق فقط بوصفة منزلية، وإنما بفهم طرق الحفظ والتعقيم، واختيار المواد الأولية والتحكم في الملح والحموضة وطرق التخزين، وهي تفاصيل تحدد سلامة المنتج ومدة صلاحيته، كما أن تجفيف الفواكه مثلا، يمثل مجالا آخر، يمكن أن يسمح باستغلال المنتجات الموسمية، وتحويلها إلى سلع قابلة للتسويق خارج موسمها، من خلال تقنيات التجفيف والتعبئة والحفظ المناسبة.

أما صناعة الشكولاطة، يضيف محدث “المساء”، فقد تحولت بدورها إلى ورشة مطلوبة جدا، لدى الراغبين في دخول مجال الحلويات والمنتجات اليدوية، خصوصا مع انتشار الطلب على الهدايا، والعلب الخاصة بالمناسبات والمنتجات المصنوعة حسب الطلب، ويتيح هذا النوع من التكوين، يقول أسامة: “تعلم تقنيات تذويب الشكولاطة وتشكيلها وتزيينها وحفظها، إلى جانب طرق تقديم المنتج بشكل جذاب، يساعد على تسويقه، وهو ما يجعل المهارة مرتبطة منذ البداية، بفكرة المنتج والسوق وليس بالتعلم فقط”.

من جهة أخرى، وفي المجال الفلاحي والغذائي، تبرز تربية النحل وإنتاج العسل، كحرفة تجمع بين المعرفة التقنية والعمل الميداني، يقول صاحب الورشة، فهي الأخرى تنتشر ورشاتها عبر عدة بلديات، لكنها تحتاج لخبراء مختلفين خاصين في تربية النحل، وهي اليوم عديدة بين عدد من ولايات الوطن، التي تروج لنفسها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتيح للمتكون التعرف على طبيعة الخلايا وسلوك النحل وطرق التغذية والمتابعة وجني العسل والحفاظ على جودته، كما أن النشاط لا يقتصر على بيع العسل فقط، بل يمكن أن يشمل منتجات أخرى، مرتبطة بتربية النحل، وهو ما يمنح المشروع هامشا أوسع للتطور، مع اكتساب الخبرة.

ويرى محدث “المساء”، أن قيمة هذه الورشات تكمن في الجانب التطبيقي، لأن المتربص لا يخرج منها بمعلومة فقط، بل بمهارة يمكن مواصلة تطويرها، بعد انتهاء الدورة، غير أن تحويل المهارة إلى مشروع ناجح، يبقى مرتبطا بعوامل أخرى، من بينها معرفة احتياجات السوق، احترام شروط النظافة والسلامة، حسن اختيار المواد الأولية، التحكم في التكاليف، التغليف والتسويق، وهي عناصر تجعل التكوين خطوة للنجاح.