رغم شح الدعم وقلة الإمكانيات لدى المربين

تربية الخيول تأبى الاندثار عند البوازيد ببسكرة

تربية الخيول تأبى الاندثار عند البوازيد ببسكرة
  • 3548
ح.زين الدين ح.زين الدين

عاد بقوة نشاط تربية الخيول ببلدية الدوسن، غربي ولاية بسكرة، في السنوات الأخيرة، حيث تضاعف عدد المربين وتزايد عدد رؤوس الخيل، حيث تشير إحصائيات المهتمين بهذا الشأن إلى وجود أكثر من 300 فرس حاليا بتراب هذه البلدية، منها خيول مخصصة للسباق وأخرى للفنتازيا، إضافة إلى أعداد قليلة مخصصة للتخصيب وتنمية السلالات الجيدة.

يؤكد رؤساء الجمعيات المهتمة بتربية الخيول في بلدية الدوسن، أن نشاط تربية الخيول بهذه البلدية الفلاحية تراجع بقوة في الآونة الأخيرة، مرجعين ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها الإقبال الكبير لشباب هذه البلدية على ركوب الخيل. 

وحسب السيد راس النعجة العيد، رئيس جمعية «سبحة» للفروسية وسباق الخيل، فإن الكثير من أبناء الدوسن استهوتهم الفروسية مجددا وراحوا يبيعون حتى سياراتهم ودراجاتهم النارية ذات الحجم الكبير من أجل شراء خيول بدلا عنها، إلى جانب  إنجاز البلدية لميدان سباق  للخيل بتكلفة فاقت 700 مليون سنتيم واحتضان هذا الميدان لعدة تظاهرات ومسابقات بعد إنجازه، مما زاد من تشجيع وإغراء الشباب على ممارسة الفروسية، ومنه امتلاك الخيول.

وبالعودة إلى تاريخ نشاط تربية الخيل ببلدية الدوسن، يقول السيد العيد بأن الدوسن كانت في عشريات الاحتلال تتوفر على عدد كبير جدا من الخيول، غير أن هذه الأعداد تقلصت بشكل كبير فيما بعد، لتعود الخيول إلى بلدية الدوسن بقوة في العشرية الماضية والفضل في ذلك يعود إلى كبار المربين، وعلى رأسهم المجاهد الكبير الجموعي بوذينة، حيث استطاع هؤلاء أن ينظموا أنفسهم في شكل جمعيات تهتم بالخيول وتربيتها.

وفي الأعوام الأخيرة، برزت بالدوسن جمعيتان كبيرتان هما؛ «جمعية سبحة» و«جمعية البوازيد»  اللتان ساهمتا بشكل كبير في إعادة تربية الخيول بالدوسن إلى سابق عهدها وربما أحسن بكثير،  والدليل على ذلك ما أكده لنا السيد عياش عبد القادر رئيس جمعية «البوازيد» للخيالة والفنتازيا وإحياء التراث، مشيرا إلى تزايد عدد الفرسان ورؤوس الخيل، فعدد المربين الكبار يقدر حاليا بـ40 مربيا يملكون أكثر من رأس خيل، فيما يفوق عدد الذين يملكون خيلا واحدة المائتين، وبعملية حسابية فإن عدد الخيول أصبح اليوم يفوق 300 رأس، أغلبها من السلالات العربية الممتازة، مضيفا أن هذا التطور يعود إلى انتشار ثقافة حب الخيل وهواية الفروسية، فأغلب الشباب عاد بقوة إلى تراث الأجداد مستغلين الميدان الذي تم إنجازه في السنوات الأخيرة.

حضور قوي في المناسبات والمسابقات

هذا الانتعاش في مجال تربية الخيول ببلدية الدوسن  سمح للمربين والجمعيات المهتمة بالمشاركة بقوة في مختلف المهرجانات والمناسبات، وأيضا في السباقات الكبرى التي تنظم داخل الوطن، كما أن فرسان الدوسن أصبحوا مطلوبين في العديد من البلدان العربية، خاصة فيما يتعلق بالفنتازيا، حيث تملك الدوسن العديد من الخيول والخيالة المختصين في هذا المجال، وهم بالتالي مطلوبون بكثرة في مختلف المناسبات والتظاهرات. 

غير أن هذا الحضور والمشاركة ظلت تصطدم في الكثير من الأحيان بقلة الإمكانيات المادية، فتكاليف التنقل، حسب رئيس جمعية «سبحة» باهظة جدا،  كما أن تجهيز الفرسان والخيول للمنافسات بات يتطلب أموالا طائلة، فلباس الفارس الواحد من فرسان الفنتازية يكلف 5 ملايين سنتيم على الأقل فيما يخص اللباس التقليدي الذي يلبسه، فضلا عن تكاليف اقتناء السرج والبندقية والبارود، ناهيك عن تكاليف الإقامة التي قد تكون على عاتق المنظمين أحيانا، والمشارك في أحيان أخرى. 

ورغم هذه التكاليف، إلا أن أبناء الدوسن من فرسان ومربين يحرصون دوما على تحدي هذه الصعاب والمشاركة في أية مناسبة أو تظاهرة تصلهم من منظميها دعوة للمشاركة.

قلة الدعم تؤرق المربين ..

أكد رئيسا جمعيتي «سبحة» و«البوازيد»، المهتمتين بالخيول، أن تربية الخيول بالدوسن لا زالت تعاني كثيرا من قلة الدعم، إن لم نقل انعدامه تماما، سواء فيما يخص تغذية الخيول أو الدعم السنوي الموجه للجمعيات، فالسيد العيد يؤكد أنه لم يتلق من الدعم إلا الفتات القليل جدا، وهذا الأمر جعله يجد صعوبات كبيرة في ضمان تشجيع المربين المنخرطين في جمعيته أو تشجيعهم على المشاركة في المناسبات والمهرجانات، مشيرا في هذا الصدد إلى أن تكاليف التكفل بالخيول أصبح صعبا جدا، في ظل غلاء سعر الأعلاف، فالفرس تحتاج على الأقل إلى 10 كلغ من الشعير يوميا ونصف حزمة من مادة التبن بقيمة 750 دج يوميا، وهذا الأمر ليس في مقدور كل المربين.

نفس الشيء أشار إليه، السيد عبد القادر عياش، رئيس جمعية البوازيد، حيث أكد أن رصيد جمعيته فارغ ولم يتحصل على أي فلس من أي جهة رسمية، كما أنه تحدث عن المصاريف التي أنفقها في الجمعية دون أن يتم تعويضه أو مساعدته، مؤكدا في هذا السياق أنه ـ مثلا ـ أنفق حوالي 500 مليون سنتيم، في الاحتفالات التي شارك فيها لإحياء المناسبات الدينية في بلديته خلال العامين الأخيرين، وهذا المبلغ يتكرر في كل مرة يريد أن يشارك فيها مع خيالته وفي ظل غياب الدعم يصبح ـ حسبه ـ من الصعب مواصلة النشاط. 

كما تحدث عن غياب أي دعم فيما يخص تخصيب السلالات الجيدة وجميع المربين يدفعون أموال طائلة لهذا الأمر، وهو ما يتطلب ـ كما قال ـ التفاتة جادة وسريعة من قبل المسؤولين والمعنيين.

نحو إنشاء نواد للفروسية لفائدة الشباب

رغم هذه الصعوبات التي يعاني منها مربو الخيل بالدوسن، إلا أن إرادة قوية تدفعهم لمواصلة نشاطهم، والأكثر من ذلك أن هؤلاء أكدوا استعدادهم لإنشاء نواد محلية تهتم بالفروسية وتدرب الشباب من أبناء الجيل الحالي على ركوب الخيل، وحسب هؤلاء، فإن كبار المربين وأقدمهم أبدوا استعدادهم التام للمشاركة والمساهمة في إنجاح هذا المسعى،  مشترطين في ذلك توفير الدعم الكافي، لأن بدون دعم تبقى هذه الإرادة الصادقة حبيسة الأماني فقط في انتظار التحقيق مستقبلا.

وفي حال تحقق ذلك، فإن الخيول ببلدية الدوسن وبموطن البوازيد ستعود أقوى مما كانت، ليكون الرابح الأكبر هو تراث الأجداد، وذلك الموروث الثقافي الذي سيخلد بفضل جهود رجال عقدوا العزم على أن تبقى الخيول ببلدية الدوسن حاضرة مهما كانت الصعوبات.