أمراض المهن الصامتة
تراكمات صحية تتحول إلى عاهات بعد التقاعد
- 133
نور الهدى بوطيبة
❊ أمراض مهنية تتسلل ببطء بعد سنوات الخدمة
تتسلل بعض الأمراض المرتبطة بالمهنة بصمت، الى أجساد العمال دون أن تثير انتباههم في بدايتها، فتبدو الأعراض خفيفة وعابرة، لكنها مع مرور السنوات تتحول الى مشاكل صحية مزمنة، قد تلازم صاحبها حتى بعد التقاعد. وفي الوقت الذي ينشغل فيه العامل بتأمين قوته اليومي وتحقيق الاستقرار لأسرته، يغفل في كثير من الأحيان عن المخاطر الخفية التي تحيط به داخل مكان العمل، خاصة تلك التي لا تظهر آثارها مباشرة، بل تتراكم ببطء لتصيب الجهاز التنفسي، أو السمع، أو العمود الفقري. وتتحول لاحقا الى عاهات تُثقل حياته اليومية بعد سنوات من عمله، أو عند تقاعده.
حل اليوم العالمي للصحة والسلامة في أماكن العمل، ليعيد طرح هذا الملف من جديد، ويسلط الضوء على ضرورة الوقاية قبل العلاج، وعلى أهمية وعي العامل والمؤسسة معا بخطورة هذه الأمراض التي لا تقل شأنا عن الحوادث المهنية المباشرة، بل قد تكون أكثر خطورة؛ لأنها لا تُكتشف إلا في مراحل متقدمة، وهو ما يجعل التكفل بها أصعب، ويزيد من تكلفتها الصحية والاجتماعية في ظل تسجيل حالات كثيرة لعمال اكتشفوا أمراضهم بعد سنوات طويلة من العمل، في ظروف قد تكون غير ملائمة، أو لا يلتزمون بمعايير السلامة.
وحول هذا الموضوع قال لـ«المساء” طبيب العمل مقران برباش، إن أمراض المهنة الصامتة تمثل تحديا حقيقيا في عالم الشغل، لأنها تتطور تدريجيا دون أعراض واضحة في البداية. وأشار الى أن العديد من العمال يستهينون ببعض العلامات؛ مثل السعال الخفيف، أو آلام الظهر، أو طنين الأذن، أو الدوالي في الأرجل، غير مدركين أنها قد تكون بداية مشكلة صحية أكبر. ويضيفأن التعرض المستمر للغبار في ورشات البناء أو المصانع أو مواد كيماوية، قد يؤدي مع الوقت الى أمراض تنفسية مزمنة، مثل الحساسية الصدرية، أو ضيق التنفس، خاصة في حال غياب وسائل الحماية.
وأوضح الدكتور أن العمال في المصانع التي تعتمد على الضجيج المرتفع مثل مصانع الحديد أو الورشات الصناعية، معرضون تدريجيا لفقدان السمع. ويحدث ذلك بشكل بطيء، يجعل العامل لا ينتبه له إلا بعد فوات الأوان. وأشار الى أن هذه الحالات تسجل بكثرة عند عمال تجاوزوا سنوات طويلة في نفس البيئة دون استعمال واقيات الأذن، وهو ما يجعل الوقاية أمرا ضروريا منذ بداية المسار المهني.
أما في ما يتعلق بمشاكل الظهر، فأكد الدكتور مقران برباش أنها من أكثر أمراض المهنة انتشارا، خاصة لدى العمال الذين يقومون بحمل الأوزان الثقيلة، أو الجلوس لفترات طويلة دون حركة، أو حتى الذين يقفون لساعات طويلة، مثل عمال البناء، والسائقين، والموظفين في المكاتب، منهم الصحفيون، والأساتذة، وعمال الإدارات.
وقال إن الوضعيات الخاطئة المتكررة تؤدي مع الوقت، الى تدهور في العمود الفقري، فقد تصل الى الانزلاق الغضروفي، أو آلام مزمنة تعيق الحركة، مشددا على ضرورة احترام قواعد العمل الصحيحة، وأخذ فترات راحة منتظمة من حين لآخر، وتغيير الوضعيات بين الجلوس، والوقوف والمشي.
ولا تتوقف مخاطر العمل عند الجانب الجسدي فقط، بل تمتد أيضا الى الصحة النفسية، حيث شدد الطبيب على أن القلق والتوتر أصبح من المشاكل الشائعة في بيئة العمل، خاصة في الوظائف التي يكون فيها ضغط مستمر، أو ساعات عمل طويلة، مثل القطاع الصحي، أو التعليم، أو الخدمات. ويضيف أن هذه الضغوط قد تؤدي الى الإرهاق النفسي، وفقدان التوازن. وقد تتطور في بعض الحالات الى اكتئاب، او اضطرابات في النوم، وهو ما يؤثر على مردودية العامل وحياته الشخصية.
وأكد المختص أن الوقاية تبقى الحل الأكثر فعالية، حيث يمكن تفادي كثير من هذه الأمراض من خلال احترام قواعد السلامة، مثل استعمال وسائل الحماية الفردية، وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات، إضافة الى إجراء فحوصات طبية دورية للكشف المبكر عن أي مشاكل صحية، ضمن عدد من السياسات التي تفرضها الدول ضمن قانون عملها لحماية العامل والموظف، مثل طب العمل، وتوفير الخدمات الاجتماعية التي من شأنها أن تقدم برامج دعم اجتماعية، وحماية العامل من الانعكاسات السلبية ولو نسبيا من بيئة العمل. كما دعا الطبيب الى تعزيز التوعية داخل أماكن العمل، من خلال تنظيم حملات تحسيسية، وتكوين العمال حول المخاطر المهنية.
وفي ما يتعلق بجهود الحد من هذه الظاهرة، أشار الطبيب الى وجود برامج وطنية تهدف الى تحسين الصحة والسلامة المهنية، من خلال مراقبة ظروف العمل، وفرض قوانين تلزم المؤسسات بتوفير بيئة آمنة، غير أنه يؤكد أن نجاح هذه البرامج يبقى مرتبطا بمدى التزام الجميع سواء أرباب العمل أو العامل نفسه، بثقافة الوقاية.