العجار العنابي ..

بعث لروح الموروث الوطني

بعث لروح الموروث الوطني
  • 135
سميرة عوام سميرة عوام

استقطبت قطعة "العجار" الرقيقة اهتمام أهل سكان مدينة عنابة مؤخرا، بعدما نجحت في فك ارتباطها التاريخي باللباس التقليدي القديم، لتجد لنفسها مكانا مرموقا فوق "الحجاب" والعباءة. وعليه لم يعد العجار في وعي المرأة العنابية، مجرد ملحق مكمل للملاية التي تراجع حضورها في الأيام العادية، بل تحوّل إلى رمزية مستقلة، تعبّر عن تمسّك المرأة بهويتها البصرية، وحرصها على إضفاء لمسة من الوقار “العنابي” الأصيل على هندامها المعاصر؛ ما يجعله جسرا يربط بين وقار الماضي ومتطلبات الحاضر.

يعكس انتشار العجار مع الحجاب في أحياء عنابة العتيقة والحديثة على حد سواء، ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل؛ فالمرأة التي تختار تغطية وجهها بهذه القطعة المطرّزة بعناية، لا تفعل ذلك بدافع الاختباء، بل بدافع الحفاظ على "الكاريزما" الخاصة التي ميزت حرائر المدينة عبر سنوات. هذا “الستار” الشفاف ينسدل برقة، مزيَّنا أحيانا بخيوط "الفتلة" أو النقوش اليدوية الدقيقة؛ ما يعني أن الحداثة لا تعني بالضرورة القطيعة مع التفاصيل الجمالية التي نشأت عليها الأجيال في بيوت “بونة” المضيافة.

وعلى عكس ما يعتقد البعض من أن اختفاء الألبسة التقليدية سيؤدي لاندثار ملحقاتها، أثبت العجار مرونة فائقة في التكيف؛ إذ تجد المتزوجات حديثا اليوم، في ارتداء العجار مع الحجاب، نوعا من "الأناقة الهادئة" التي تجمع بين الستر، والتميز. فالعجار يمنح المرأة هيبة خاصة، تلفت الأنظار بوقارها، ويحيي في نفوس المارّة ذكريات، وقصصا شعبية ارتبطت بالحياء، والأنفة العنابية. إن هذا التحول من “العجار التابع للملاية” إلى “العجار المستقل” مع الحجاب، هو دليل على قوة الذاكرة الجماعية، التي ترفض التفريط في ملامحها الجمالية الأساسية.

وفي التقاليد العنابية يُنظر إلى استمرار ارتداء العجار كفعلِ مقاومة ثقافية فعالة؛ ففي ظل الانفتاح على الموضة والعصرنة، تصر المرأة في عنابة على وضع بصمتها المحلية التي تميزها عن غيرها. إن هذا النسيج الرقيق ليس مجرد ساتر للوجه، بل هو إعلان عن انتماء لمنظومة قيمية تقدس الخصوصية والاحتشام، وهو ما يفسر إقبال الوافدات على المدينة، على تبني هذا السلوك الجمالي، ليتوحد المشهد النسوي في عنابة تحت راية هذا الإرث الذي لا يندثر.

ونظرا للحضور القوي للعجار المتواجد في المحلات بأسعار في متناول الجميع، تظل هذه القطعة أيقونة حية تحمل دلالات عميقة، متحديا الاندثار، مع التأكيد على حضور التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير في تاريخ بونة.  ومع كل امرأة تتوشح بالعجار فوق حجابها تُكتب صفحة جديدة من صفحات الوفاء لتراث "عنابة" العريق، ليبقى هذا الوشاح الصغير شاهدا على أن جوهر الحياء والجمال لا يرتبط بقطعة لباس بعينها، بل بروح تأبى إلا أن تظل وفية لجذورها مهما تغيرت الأزمان وتبدلت الأشكال.