المجتمع العنابي بين نمطين سكنيين

بساطة الأحياء الشعبية وخصوصية العمارات الحديثة

بساطة الأحياء الشعبية وخصوصية العمارات الحديثة
  • 158
سميرة عوام سميرة عوام

​عرفت ولاية عنابة، خلال السنوات الأخيرة، تحولا عميقا في نسيجها العمراني والاجتماعي، انعكس على نمط عيش العائلات العنابية، التي انتقلت للإقامة بالمجمعات السكنية الحديثة، سواء ضمن أحياء “عدل”، أو المشاريع الترقوية العقارية الموزعة على مستوى كل بلديات الولاية. وقد أفرز هذا الانتقال المكاني، الممتد عبر أحياء وقرى سكنية جديدة، مثل الكاليتوسة والقطب الحضري، المترامية أطرافه بذراع الريش، برقوقة، عنابة وسط، بوقنطاس سيدي عيسى، واقعا اجتماعيا مغايرا، أطلق عليه الكثير من المتابعين لملف النمط العمراني بعنابة، اسم ظاهرة “المجتمعات المغلقة”؛ وهي الأحياء التي يسعى قاطنوها إلى إحاطتها بأسوار مرئية وغير مرئية، للتأقلم مع بيئة سكنية، تختلف جذريا عن المعمار التقليدي، الذي طالما ميز خصوصية عنابة القديمة.

​برزت هذه الظاهرة بالأساس، كنتيجة مباشرة لاتساع رقعة المسافة العمرانية، وتزايد المخاوف الأمنية لدى السكان، لاسيما مع تسجيل ارتفاع ملموس في معدلات سرقة السكنات والسيارات، فضلا عن انتشار بعض المظاهر والسلوكات الدخيلة وغير اللائقة، التي باتت تقلق راحة العائلات. وأمام هذه التحديات الأمنية المستجدة، وشساعة المساحات المشتركة التي يصعب التحكم فيها إداريا، وجد المواطنون أنفسهم أمام حتمية الاعتماد على الذات، لفرض النظام والسكينة؛ حيث اندفعت المجموعات السكنية نحو تشكيل نظام أمني واجتماعي مواز، يتولى مهمة حماية الأحياء وتسيير شؤونها اليومية.

تجسد هذا المسعى الميداني، في تنصيب “لجان العمارات”، وتفعيل دور اتحاد المالكين بشكل غير مسبوق، حيث تبنت العائلات خططا خاصة وفردية، لتأمين محيطها المباشر. واستحدث السكان اشتراكات مالية شهرية منتظمة، تخصص لتغطية تكاليف الحراسة الخاصة ليلا نهار، وتثبيت كاميرات المراقبة المتطورة عند المداخل الرئيسية والمصاعد والمآرب، بالإضافة إلى تركيب أبواب إلكترونية مصفحة، لا تفتح إلا برقائق مغناطيسية. ولم تتوقف هذه المبادرات عند الشق الأمني المباشر، بل امتدت لتعكس حسا بيئيا وجماليا، إذ يتكفل القاطنون بتنظيم حملات تشجير وتزيين المساحات الخضراء المجاورة للمباني، وتوفير إنارة إضافية للممرات والشوارع المظلمة، في محاولة جادة لإضفاء لمسة دافئة على المباني والأحياء، التي يطبعها الإسمنت.

​يلفت هذا المشهد الاجتماعي الانتباه، عند مقارنته بنمط العيش الذي كان سائدا في الأحياء العنابية القديمة، مثل أحياء “بلاص دارم” ،"لاكولون”، سيدي إبراهيم وغيرها، فقد كانت تلك الأحياء الشعبية القديمة، تتنفس دفئا اجتماعيا وعلاقات أخوية، يعتمد على المعرفة المباشرة بين الأسر وعلاقات القرابة، أو كما يسمى في اللهجة المحلية بالعروش. وخلال تقرب “المساء” من بعض العائلات التي تقطن الأحياء الشعبية، أكدت أن “الجيرة لها أصحابها”، مستحضرين ببالغ الحنين، أنه في وقت مضى، كانت “سكنات العرب” متجاورة ومتلاصقة مع بعضها البعض؛ حيث كان الجار يحرس بيت جاره ويتقاسم معه حتى رغيف الخبز والأكل اليومي، خاصة في الأزقة والأحياء العتيقة، التي يعد فيها الأمان أمرا منتشرا بين الجميع، بفضل الرقابة الاجتماعية التضامنية والتواجد المستمر لأبناء “الحومة”.

​أما في النمط العمراني الحديث والجديد، فقد تم بناء سكنات “عدل” والترقيات العقارية وغيرها، بنمط هندسي واجتماعي مختلف تماما، وهو ما أجمعت عليه فئة أخرى من المواطنين، الذين التقيناهم، مؤكدين أن العيش في هذا الإطار مع الاستقلالية، والابتعاد نسبيا عن الجيران غير المعروفين، يوفر راحة البال، ويحفظ خصوصية الأسرة، ويجنب العائلات الكثير من الاحتكاك والمشكلات اليومية، التي كانت تقع بسبب الاكتظاظ وقرب المنازل في النمط القديم. وأوضحت هذه الفئة، أن النمط الحديث، رغم تحفظه الاجتماعي، يقدم حلولا عملية، تتناسب مع متطلبات الحياة المعاصرة وساعات العمل الطويلة، التي تبحث فيها العائلة عن الهدوء والاسترخاء، بعيدا عن الفضول أو التدخلات الزائدة.

​وهكذا، حلت العلاقات الفردية محل الدفء التلقائي في المجمعات السكنية الجديدة؛ إذ تحول الجار من شريك في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى شريك في “عقد إدارة العمارة”، وصارت الاتصالات والقرارات الجماعية تدار بمرونة، عبر مجموعات منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بكل عمارة أو مجمع سكني.

​وعلى الرغم من النجاح الملموس، الذي حققته هذه المجتمعات المغلقة في الحد من التجاوزات والسرقات وإعادة القليل من الطمأنينة للأمهات والأطفال داخل هذه الأحياء، إلا أن هذا النموذج ينطوي على مفارقة اجتماعية تستحق التأمل. فمن جهة، نجحت هذه الأساليب في إيجاد حماية أمنية وتضامن محلي منظم، أثبت فاعليته، لكنها من جهة أخرى، أسهمت في تعزيز نوع من العزلة والانطواء الاجتماعي؛ حيث بات كل مجمع سكني يشكل كيانا مستقلا بذاته، مما قلص من فرص الاندماج الاجتماعي الشامل بين سكان المنطقة الواحدة، وجعل العلاقات الاجتماعية تقتصر على حدود السور الخارجي أو حدود العمارة.

​تستدعي هذه الديناميكية الاجتماعية الجديدة بعنابة، قراءة متأنية من طرف المختصين في علم الاجتماع الحضري والجهات التنفيذية بالولاية؛ فالأمن والهدوء الملاحظان داخل هذه المجمعات السكنية، هما ثمرة جهود وتضحيات مالية وتنظيمية، يقع عبؤها الكامل على كاهل المواطنين. ويبقى التحدي القادم قائما في كيفية الموازنة بين المطالب المشروعة للأمن، والحماية من المظاهر السلبية والبحث عن راحة البال، وبين فتح أفق التواصل الاجتماعي السليم، الذي يعيد روح التضامن العنابي الأصيل، دون القبول بالتقوقع والتباعد بين سكان الأحياء والتجمعات السكنية الجديدة.