الدروس الخصوصية بين الحاجة وتكريس الفوارق التعليمية

باحثون يدعون إلى تنظيم التعليم الموازي وتعزيز دور المدرسة

باحثون يدعون إلى تنظيم التعليم الموازي وتعزيز دور المدرسة
  • 258
شبيلة. ح شبيلة. ح

شدد المشاركون في الملتقى الوطني حول ظاهرة الدروس الخصوصية، المنظم، مؤخرا، بجامعة قسنطينة (2) "عبد الحميد مهري"، على ضرورة التعامل مع هذه الممارسة، باعتبارها ظاهرة تربوية واجتماعية متشعبة، لا يمكن اختزالها في مجرد وسيلة إضافية لدعم التحصيل الدراسي، مؤكدين أن توسعها يطرح جملة من التساؤلات حول أداء المدرسة، ودور الأسرة، وتكافؤ الفرص بين التلاميذ، فضلا عن الأبعاد النفسية والاقتصادية التي أصبحت ترافق العملية التعليمية.

أوضح المشاركون، أن الإقبال على الدروس الخصوصية يرتبط في جانب منه، بحاجة بعض التلاميذ إلى دعم بيداغوجي إضافي واستدراك النقائص المسجلة في التعلم، غير أن تحولها إلى ممارسة واسعة ومتكررة، قد يجعل النجاح الدراسي مرتبطا بدرجة أكبر، بقدرة الأسرة على توفير هذا النوع من التعليم، وهو ما قد يعمق الفوارق بين التلاميذ، ويؤثر في مبدأ العدالة التعليمية.

في هذا السياق، ركزت أشغال الملتقى على البحث في أسباب انتشار الظاهرة وتداعياتها، من خلال مقاربات تربوية وسوسيولوجية ونفسية واقتصادية، إلى جانب مناقشة موقع الدروس الخصوصية داخل المنظومة التربوية الجزائرية، وحدود التداخل بينها وبين التعليم النظامي، فضلا عن إمكانية الاستفادة من البدائل الرقمية والتكنولوجية في معالجة صعوبات التعلم، وسد الثغرات التحصيلية.

الدروس الخصوصية دعم للتحصيل أم إعادة إنتاج للفوارق؟

من أبرز القضايا التي استقطبت اهتمام المشاركين، العلاقة بين الدروس الخصوصية والعدالة التعليمية، حيث ناقشت مداخلات عديدة، الكيفية التي يمكن أن تتحول بها هذه الممارسة من وسيلة للدعم البيداغوجي، إلى عامل يعيد إنتاج التفاوت بين التلاميذ، خاصة عندما تصبح القدرة على الاستفادة منها، مرتبطة بالإمكانات المادية والاجتماعية للأسر. إذ تناولت مداخلات علمية، مسألة ارتباط الدروس الخصوصية بالرأسمال الثقافي والاجتماعي للأسرة، وبطموحات الأولياء والتلاميذ، فضلا عن تأثيرها في قرارات التوجيه والنجاح الدراسي. كما طرحت تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الدروس، تعمل فعلا على تعويض النقائص التعليمية، أم أنها في بعض الحالات، تكرس الفوارق القائمة أصلا داخل المجتمع المدرسي.

كما لفت المشاركون، إلى أن ارتفاع الطلب على الدروس الخصوصية، لا يرتبط بعامل واحد، بل تتداخل فيه عدة عناصر، من بينها الرغبة في تحسين النتائج، ضغط الامتحانات، المنافسة الدراسية، تطلعات الأولياء، وصعوبة بعض المواد، إلى جانب عوامل مرتبطة بالممارسة التعليمية نفسها. لذلك، فإن معالجة الظاهرة تقتضي، حسب المقاربات المقدمة، تشخيص أسبابها داخل المدرسة والأسرة والمحيط الاجتماعي، بدل الاكتفاء بمحاولة الحد من انتشارها.

نقاش حول أسباب الظاهرة وتداعياتها

من بين المداخلات التي عالجت جوهر الإشكالية، جاءت مداخلة "الدروس الخصوصية بين دعم التحصيل وتكريس اللامساواة التعليمية"، التي قدمها الدكتورتان موراس محبوبة ومفتود سارة، من جامعة قسنطينة "2"، حيث تندرج في صلب النقاش المتعلق بالتوازن بين الوظيفة البيداغوجية للدروس الخصوصية، وانعكاساتها على تكافؤ الفرص.

تسمح هذه المقاربة، بطرح إشكالية أساسية، مفادها أن الدعم الإضافي قد يكون مفيدا للتلميذ، عندما يعاني من صعوبات في استيعاب بعض الدروس، غير أن تفاوت القدرة على دفع تكاليف الدروس الخصوصية، يجعل فرص الاستفادة منها غير متساوية بين الأسر. ومن ثم، فإن الدروس الخصوصية قد تؤدي وظيفتين متناقضتين، هما مساعدة بعض التلاميذ على تجاوز صعوباتهم الدراسية، من جهة، وتعميق الفوارق التعليمية، من جهة أخرى، إذا أصبحت عاملا أساسيا في تحديد مستوى التحصيل.

أما المداخلة الثانية، التي حملت عنوان "الدروس الخصوصية في المنظومة التربوية في عصر البدائل الرقمية"، فقدمتها الأستاذان الدكتوران بن عويرة عبد المنعم ووالي مسعود من جامعة قسنطينة "2"، وفتحت النقاش حول إمكانية الاستفادة من التحول الرقمي في توفير أشكال جديدة من الدعم التعليمي.

تكتسي هذه المقاربة، حسبهما، أهمية خاصة، في ظل توسع استخدام المنصات والموارد التعليمية الرقمية، إذ يمكن للتكنولوجيات الحديثة أن توفر للتلميذ محتويات تعليمية إضافية، وتمارين للتدرب، وموارد للمراجعة، وأشكالا من التعلم الذاتي، يمكن أن تساعد على سد بعض الثغرات التحصيلية. غير أن المشاركين لفتوا، ضمنيا، إلى أن الرقمنة لا تعني إلغاء دور الأستاذ أو المدرسة، وإنما يمكن أن تشكل أداة مساعدة ضمن منظومة تعليمية، أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للفروق الفردية بين المتعلمين.

وفي الاتجاه نفسه، برزت مداخلة "تشريح الأبعاد التربوية والسيكو-اجتماعية لظاهرة الدروس الخصوصية وآليات المعالجة المؤسساتية"، التي قدمها الأستاذ الدكتور خميس رضا والدكتور بن مسعود قدور، باعتبارها من المداخلات التي تتجاوز النظر إلى الظاهرة من زاوية التحصيل الدراسي فقط، لتربطها بالأبعاد النفسية والاجتماعية والمؤسساتية.

تطرح هذه المقاربة، أهمية فهم الضغوط التي قد تدفع التلميذ والأسرة إلى اللجوء المتزايد للدروس الخصوصية، خاصة عندما تتحول المنافسة على النتائج إلى مصدر ضغط مستمر، أو عندما يصبح التلميذ مطالبا بالجمع بين ساعات الدراسة النظامية، وحصص الدعم خارج المدرسة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة مؤسساتية لا تركز فقط على النتائج، وإنما تأخذ بعين الاعتبار ظروف التعلم، التوازن النفسي للتلميذ، ودور الأسرة والمدرسة في توجيه اختياراته التعليمية.

مقاربة متعددة لإيجاد حلول أكثر نجاعة

خلصت مختلف المداخلات، إلى أن ظاهرة الدروس الخصوصية تحتاج إلى مقاربة شاملة، تراعي خصوصية كل مرحلة تعليمية، وتبحث في أسباب الإقبال عليها، قبل التفكير في الحد من آثارها. كما برزت أهمية تحسين نوعية التعليم النظامي، وتعزيز الدعم البيداغوجي داخل المؤسسات التربوية، ومرافقة التلاميذ الذين يعانون من صعوبات تعلم، إلى جانب التفكير في حلول رقمية منظمة، يمكن أن توفر موارد تعليمية متاحة على نطاق أوسع. كما ناقش المشاركون دور الأسرة في تنامي الطلب على التعليم الموازي، باعتبار أن تطلعات الأولياء إلى تحسين النتائج، قد تدفعهم إلى تكثيف اللجوء إلى الدروس الخصوصية، لاسيما في المراحل التي ترتبط فيها النتائج الدراسية بالانتقال إلى مستويات تعليمية أعلى أو بالامتحانات المصيرية.