اغتراب يعصف بالبيوت
الهاتف النقال ضيف فكك اللّمة الأسرية
- 144
أحلام محي الدين
لا يختلف اثنان على أن الهاتف النقال، لم يعد وسيلة للمحادثات وولوج عالم التكنولوجيا، بل أصبح جزءا من الروتين اليومي في حياة الأشخاص، ففي أوقات كثيرة، يعد المحور الأساسي للحياة داخل الأسرة والعمل، فكم مرة يعتصر قلب الشخص خوفا من فقده، إذا تذكر أنه تركه وراءه في البيت أو العمل، أو لا يدري أين وضعه، بسبب ضعف التركيز. فوجوده له ألف معنى، إلا أن المخيف في الأمر هو "الهيمنة"، التي بات عليها هذا الضيف الذي دخل البيوت، فوزع أفرادها على الغرف قعودا يحملونه بين راحتيهم، آناء الليل والنهار. يصعدون وينزلون بالشاشة والتطبيقات لساعات متتالية، حتى دون تبادل أطراف الحديث مع بعض، في صورة تعكس الاغتراب الذي بات يعصف بالبيوت.
المشهد واحد داخل البيوت الجزائرية والعربية، والعالم بأسره، وإن اختلف قليلا، حسب التربية وتحكم الآباء في تصرفات الأبناء، لكن الصورة واحدة، عائلة مجتمعة، لكن الصمت يطوق المكان.. الأب يتصفح هاتفه.. الأم تتابع فيديوهات قصيرة عن الطبخ أو الموضة، والأطفال غارقون في ألعاب إلكترونية، وقد اختلفت الأصوات والموسيقى حسب البرامج المتابعة.. مشهد يبدو عاديا للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراءه ظاهرة تحتاج الدراسة والتحليل والبحث عن علاج لإدمان الهواتف داخل البيوت، السبب الرئيسي للغربة فيها.
اللص النافع.. سرق اللمة والوقت
فكم من شخص يشعر بالوحدة، لاسيما إذا كان يعاني من مشكل ما، وأراد الحديث إلى أفراد عائلته أو أحدهم، فما إن يهم بالحديث لتفريغ ما يثقل عليه كاهله، حتى يجد الهاتف قد سلب منه كل الاهتمام، فذلك المستطيل اللاصق بين الراحتين ليلا نهارا، لا يسمح برفع الرأس أو إعطاء الاهتمام للآخرين والاستماع إليهم، حتى تناول العشاء بات وسط الضوضاء المنطلقة من الهواتف لعوالم مختلفة، فهنا صوت الألعاب الالكترونية، وهنالك موسيقى صاخبة، ومن جهة أخرى ينبعث صوت للأحداث السياسية عبر العالم. فبعد أن كان وقت تناول الطعام، من أقدس الأوقات العائلية، أخذ منه الهاتف هذه الخاصية، فالكثير يأكل ولا يدري ما الذي وضعه في فمه.
أكثر ما يميز الجلسات حاليا، هي الإشعارات التي تكسر الصمت وسط الرؤوس المطأطأة، في التقليب والبحث، عائلات كثيرة أصبحت تشتكي من ضعف الحوار وقلة التفاعل بين أفراد الأسرة، وكذا برودة العلاقات داخل البيت، في السياق، حدثنا محمد، البالغ من العمر 54 سنة، معلم، وأب 4 أبناء قائلا: "الهاتف خادم جيد، لكنه لص كبير، إنه يسرق منا أوقتنا.. حديثتا مع بعضنا البعض، لقد أخذ منا كل الأسرار وسربها خارج البيت، في الوقت الذي يعجز فيه الأباء على فهم احتياجات أبنائهم أو مشاكلهم، لأنهم يحلونها مع أصدقائهم المقربين، من خلاله أو من خلال الصدقات الافتراضية، لهذا شخصيا فرضت قانونا في البيت، فحواه أنه لا يسمح باستعمال الهواتف وقت الطعام، في البداية وجدت صعوبة، وحتى الدموع في عيناي ابتني البالغة من العمر 14 سنة، التي كانت تستعمله في اللعب، ثم رجعت الأمور إلى نصابها واستمتعنا بطعام وحديث أسري".
قالت الدكتورة سمية: "الهاتف النقال جسر للتواصل الخارجي نعم، إلا أنه أصبح جدارا عازلا داخل البيت، بل الكثير من الأشخاص لا يستطيعون الاستغناء عنه، إلا أن الوعي بالتبعات النفسية والاجتماعية لهذا الإدمان الرقمي، هو الخطوة الأولى لاستعادة الروابط الأسرية، وجعل البيت واحة للسكينة والتواصل الحقيقي".
مختصون... فك العزلة الاجتماعية ضرورة
أكدت المختصة النفسية الاجتماعية، رتيبة حفني، في حديثها لـ"المساء"، أنه في العصر الرقمي الذي نعيشه، تحول النقال من أداة للاتصال، إلى رفيق دائم لا يغادر الأيدي، ورغم أن مهمته الأساسية تكمن في تقريب المسافات، إلا أنه في الواقع، أحدث فجوة عميقة داخل الأسرة، التي حدثت بها عزلة اجتماعية تحت سقف واحد.
أشارت المختصة، إلى أن صور التباعد الأسري بسبب الهاتف، كثيرة، منها ظاهرة التجاهل الرقمي، وغياب الحوار النوعي، إذ أصبح أفراد الأسرة يجلسون في مكان واحد، لكن عقولهم مشتتة في عوالم افتراضية مختلفة. وهو ما يقتل لغة الجسد والتواصل البصري، الذي يعد أساس الترابط العاطفي، إلى جانب إهمال الواجبات العاطفية، إذ ينشغل الآباء عن أبنائهم بمتابعة الأخبار أو العمل عبر الهاتف، وينشغل الأبناء بالألعاب ومنصات التواصل، مما يؤدي إلى فقدان “اللحظات المشتركة” التي تبني الذكريات وتعمق الثقة.
أوضحت رتيبة حفني، أن الاستعمال المتواصل للهاتف داخل البيت وفي كل والاوقات، يسبب الشعور بالوحدة والاغتراب، رغم وجود الشخص وسط عائلته، إلا أن غياب الاهتمام يجعله يشعر بالوحدة، وهو ما قد يؤدي إلى الاكتئاب المزمن، خاصة لدى المراهقين الذين يحتاجون للدعم النفسي المباشر، إلى جانب القلق والتوتر الدائم، لأن الإفراط في متابعة حياة الآخرين المثالية على وسائل التواصل، يخلق حالة من المقارنة المستمرة، مما يولد عدم الرضا عن النفس وعن المستوى المعيشي للأسرة، ويزيد من حدة التوتر المشحون داخل البيت، ويحول الأطفال والمراهقين إلى شخصيات انطوائية.
وللحد من هذا التباعد، أوضحت المختصة، أن هناك خطوات واعية وجماعية، يجب اتباعها، على غرار تخصيص مناطق وأوقات خالية من الهاتف، مثل منع استخدام الهواتف تماما أثناء تناول الطعام أو في غرف النوم. مع تعزيز الأنشطة المشتركة، من خلال العودة للألعاب الحركية، القراءة الجماعية، أو حتى النقاشات المفتوحة حول مواضيع تهم الجميع، وعلى الوالدين أن يبدأوا بأنفسهم، حتى يتقبل الأبناء الفكرة.