بين جاذبية الطعام وصحة الأطفال
الملونات الغذائية مصدر قلق الخبراء
- 198
نور الهدى بوطيبة
تحولت منصات التواصل الاجتماعي، في السنوات الأخيرة، إلى مساحة مفتوحة، لتجربة كل ما هو جديد في عالم الطعام، حيث ظهرت مؤخرا، موجة لافتة تقوم على تلوين الأطعمة والحلويات والمشروبات بمساحيق وملونات غذائية، تمنحها ألوانا قوية وغير معتادة، وتبدو الفكرة في ظاهرها بسيطة وجذابة، خصوصا مع انتشار مقاطع الفيديو، التي تقدم الطعام الملون، بوصفه تجربة ممتعة وقابلة للمشاركة، وتدفع إلى حث الطفل على الأكل، لكن خلف هذه الصورة البصرية الجذابة، يبرز سؤال أكثر أهمية، يتعلق بما يدخل فعليا إلى أجسام المستهلكين، ومدى الحاجة إلى هذه المواد، من الأساس، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين يتعرضون بصورة متكررة، للحلويات والمشروبات والمنتجات شديدة الألوان.
يبدو أن المسألة لا تتوقف عند لون الطعام، الذي يظهر على الشاشة، فالملونات الغذائية مواد تضاف إلى المنتجات، بهدف تحسين مظهرها، أو إعادة اللون الذي فقد أثناء التصنيع أو التخزين، أو منح منتجات معينة مظهرا أكثر جاذبية. بعض هذه المواد مصرح باستخدامها، ضمن شروط وحدود محددة، تختلف من دولة إلى أخرى، لذلك فإن وجود رقم يبدأ بحرف "E" على ملصق المنتج، لا يعني في حد ذاته، أن المادة خطرة، كما لا يعني أن كل مادة ملونة لها نفس التأثير، أو المستوى نفسه من المخاطر، وتبقى المشكلة الحقيقية في نوع المادة والكمية المستهلكة، وتكرار التعرض لها وطبيعة الفئة التي تتناولها.
يكتسب الطفل حساسية أكبر، بسبب هذه المواد، لأنه من أكثر الفئات تعرضا للمنتجات ذات الألوان القوية، كما أن العادات الغذائية التي تتشكل في سنوات الطفولة، قد تستمر معهم لسنوات طويلة، ومن هنا، تبرز أهمية عدم التعامل مع الألوان الغذائية، باعتبارها مجرد تفصيل شكلي في الطعام، بل باعتبار أنها جزء من تركيبة المنتج، التي ينبغي قراءتها وفهمها، قبل تقديمه للطفل.
وفي حديثه حول هذه الظاهرة، يرى خبير التغذية، نسيم رمضاني، أن المشكلة لا ترتبط بمجرد وجود مادة ملونة في الطعام، وإنما بما قد يحدث عندما تتحول الألوان الاصطناعية، إلى وسيلة لجذب المستهلك نحو منتجات، لا تقدم في كثير من الحالات، قيمة غذائية توازي حجم الجاذبية التي تمنحها تلك الألوان، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين المادة الملونة نفسها، واللون الذي نراه بالعين، فاللون الأزرق، مثلا، حسب محدث "المساء"، لا يعني تلقائيا مادة محددة تنسب لترقيم اللون الأزرق المحظور، واللون الأحمر، لا يعني بالضرورة وجود مادة بعينها، وما إلى ذلك ، بل ينبغي الرجوع إلى قائمة المكونات والبحث عن الاسم أو الرمز المخصص للمادة.
ومن بين المواد التي تثار حولها النقاشات العلمية، لخطورتها وتسببها في اضطرابات عديدة، بعض الملونات مثل؛ "E102 وE104 وE110 وE122 وE124 وE129"، وهي مواد وردت، حسب رمضاني، ضمن دراسات، تناولت العلاقة المحتملة بين بعض تلك الملونات الغذائية وسلوك الأطفال، وشدد على أن تلك الدراسات تصب إلى حقيقة نفسها، وهي وجود دليل على تأثير بعض المواد المضافة في نشاط وانتباه بعض الأطفال، وهو ما يعني أن هذه المواد، تسبب اضطرابا سلوكيا لدى بعض الأطفال، مع ضعف التركيز وفرط الحركة.
وتزداد الحساسية، يقول المختص، مع مادة "E129" المعروفة باسم "الأحمر رقم 129"، والتي تدخل في عدد من المنتجات الغذائية، لمنحها لونا أحمر، إذ اتخذت بعض الدول قرار منع استعمال الملون "الأحمر رقم 3"، المعروف باسم "اريثروسين"، في الأغذية والأدوية التي تؤخذ عن طريق الفم، حيث استند القرار ـ حسب المحدث ـ إلى متطلبات قانونية مرتبطة بوجود بيانات، تتعلق بمخاطر المادة، وهو ما يعكس أن تقييم سلامة الملونات، قد يتغير مع ظهور معطيات جديدة، لهذا يجب إعادة تقييم تلك الملونات، ومراجعة مستجدات كل مادة على حدة.
أما مادة "E171"، وهي ثاني أكسيد التيتانيوم، فيقول رمضاني، بأنها كانت أيضا موضع اهتمام علمي كبير، إذ خلصت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء، في تقييمها الصادر عام 2021، إلى أنه لم يعد من الممكن اعتبارها آمنة كمادة مضافة للأغذية، بسبب عدم إمكانية استبعاد القلق المتعلق باحتمال حدوث تأثيرات سامة على التأثيرات الوراثية، لذلك لم تتمكن الهيئة من تحديد مستوى تناول يومي مقبول لها، ما دفع إلى منعها وحظر استعمالها في كثير من المواد الغذائية واسعة الاستهلاك.
ولا تعني هذه المعطيات، أن كل طعام ملون يمثل خطرا مباشرا على الصحة، يقول خبير التغذية، مشددا على أن تناول تلك الملونات، بشكل متكرر ومستمر، هو الخطر الحقيقي، فلا يصح تحويل الحديث عن بعض الملونات إلى حكم شامل على جميع الألوان الغذائية، فالسلامة الغذائية، يضيف: "تقوم على الجرعة وطريقة الاستخدام، ومستوى التعرض والبيانات العلمية المتاحة، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الألوان إلى جزء دائم من النظام الغذائي، للطفل خصوصا، لاسيما مع الاستهلاك المتكرر للحلويات والمشروبات والمنتجات المصنعة، التي تجمع بين كثافة اللون وارتفاع السكر وقلة القيمة الغذائية".
ويرى رمضاني، أن التعامل مع هذه الموجة في تلوين الأغذية عبر منصات التواصل، كموضة غذائية جديدة، يحتاج إلى قدر أكبر من الوعي، بدلا من التقليد، موضحا أن المستهلك لا يحتاج إلى رفض كل مادة تحمل رقما غذائيا، لكنه يحتاج إلى قراءة المكونات وعدم الانخداع بالمظهر، كما أن الأسرة مطالبة بتقليل الاعتماد على المنتجات شديدة التصنيع، وتقديم الأطعمة الأقرب إلى صورتها الطبيعية، كلما كان ذلك ممكنا، خصوصا للطفل.