عادات بونة في استقبال رأس السنة الهجرية
الملوخية الخضراء والأكلات التقليدية ترسم بهجة محرم
- 139
سميرة عوام
تستعد العائلات العنابية هذه الأيام، للاحتفال بحلول أول أيام شهر محرم، متمسكة بعادات وتقاليد تعود إلى عمق تاريخ المنطقة وثقتها في الأجيال المتلاحقة بمدينة "بونة" العريقة، لاستقبال رأس السنة الهجرية الجديدة.
وتتحول البيوت في سائر أحياء عنابة، خاصة الشعبية منها، المدينة القديمة "بلازدارم" إلى "لاكلون"، "برمة الغاز" و"جبانة اليهود"، عشية هذا اليوم المبارك، إلى أماكن لا تهدأ شوارعها من الحركية؛ حيث تنبعث روائح البخور لتعبق الساحات بعبق التراث الأصيل، محملة بأمنيات الخير والبركة واليسر، مع استهلال عام جديد، وسط أجواء عائلية حميمية، تجمع الأقارب وتدخل الفرحة والبهجة على قلوب الصغار والكبار، على حد سواء، الذين يجدون في إحياء هذه المناسبات الدينية فرصة لا تعوض، لتجديد الروابط الاجتماعية والروحية وتمتين صلة الرحم واللمات العائلية.
وفي مظهر احتفالي بهيج توارثته الأجيال أبا عن جد، تشكل "الملوخية الخضراء" سيدة المائدة العنابية، دون منازع في هذا اليوم المبارك؛ إذ تحرص ربات البيوت على اقتنائها وطحنها، ثم طهيها بعناية فائقة على نار هادئة لعدة ساعات، لتكون بمثابة "فال خير" وأمل جماعي بأن يكون العام الجديد أخضر ومباركا، تفيض فيه النعم والبركات وتزول بقدومه الهموم والكرب والشدائد.
ولا تكتمل هذه الأجواء الاحتفالية الساحرة، إلا بالحركية الاستثنائية التي تدب في المطابخ منذ ساعات الصباح الأولى، حيث "تنهض" ربات البيوت، أو كما يعرفن محليا بـ«حرائر بونة"، لإعداد باقة من المعجنات والحلويات التقليدية اللذيذة، وعلى رأسها "الغرايف" (البغرير) بمساماتها المفتوحة، التي ترمز محليا للوفرة والرزق الواسع، و«السفنج" المقرمش، وهي أكلات تقدم ساخنة ومحلاة بالعسل الطبيعي أو السكر، لتضفي حلاوة وراحة على اللمات العائلية، وتسعد الأطفال الصغار الذين يترقبون هذه اللمات بشغف كبير، للاستمتاع بطعمها المقرمش.
ومن العادات الاقتصادية والاجتماعية الفريدة، التي تطبع هذا الموسم الديني لدى العنابيين، قيام العديد من الأسر باستغلال جزء من لحم عيد الأضحى المبارك؛ إذ جرت العادة أن يُخبأ منه جزء بعناية فائقة، بعد تمليحه وتجفيفه في الهواء الطلق، ليصبح "قديداً" أو "خليعاً". وتعمل الأمهات على الاحتفاظ بهذه القطع المجففة خِصيصاً لإحياء مناسبتي عاشوراء والمحرم، حيث يستعمل هذا اللحم العتيق لإضفاء نكهة تراثية عميقة ومميزة على أطباق الكسكسي التقليدي، أو "الثريدة" المصنوعة منزليا، أو "شخشوخة الظفر" التي تُزين مائدة العشاء، في ليلة أول محرم، كدلالة رمزية على استمرار بركة عيد النحر، الممتدة إلى مطلع العام الهجري الجديد، وتجسيدا حيا لروح التدبير المنزلي والذكاء المطبخي الذي تمتاز به المرأة العنابية على مر السنوات.
إن الاحتفال برأس السنة الهجرية في ولاية عنابة، يتجاوز بكثير كونه مجرد منافسة في إعداد الأطباق والمأكولات الشهية؛ بل هو محطة سنوية بالغة الأهمية، يعبر من خلالها المجتمع العنابي عن عمق تمسكه بهويته ومناسبة لاستحضار الدروس والعبر والمواقف الجليلة، من السيرة النبوية العطرة والهجرة المباركة في مساجد المدينة.
وتساهم هذه الأكلات التقليدية والطقوس العائلية المتكاملة، في مد جسور التواصل المبنية بين الماضي والحاضر، مع تحسيس الأجيال الصاعدة بقيم التضامن والتراحم والفرح المشترك، لتظل "عنابة" دائما منارة مضيئة، تحتفي بمثل هذه المناسبات الدينية، وتحفظ الذاكرة الشعبية الحية وتصون تراثها اللامادي في كل عام جديد.