لطرد الكسل وكسر روتين الصيف
المسنون والشباب يقبلون على الرياضة
- 186
سميرة عوام
تتحول شواطئ مدينة عنابة وشريطها الساحلي المميز، مع حلول فصل الخريف، وانقضاء زحمة الصيف، إلى مكان هادئ، يجمع الناس لممارسة الرياضة وتنفس الهواء النقي. ومع الاعتدال الكبير في درجات الحرارة وغياب الضجيج، يبدأ العديد من المواطنين يومهم، منذ ساعات الفجر الأولى، بالمشي والركض على طول الطريق والكورنيش، ممتدين من شاطئ “شابي” المعروف باسم “ريزي عمر”، وحتى مرتفعات منطقة “رأس الحمراء” والغابات المجاورة.
يعتبر فصل الخريف في عنابة وقتا خاصا بالنسبة للسكان القريبين من البحر، فبعد صيف طويل مليء بالزوار والمصطافين من كل مكان، يعود المشى خلال فترة الصباح على طول الشاطئ عادة يومية، حيث تبتعد السيارات وتقل الحركة، فيجد الناس المساحة الكافية للحركة والتنفس بحرية وأمان. فالرياضة في هذا الوقت، ليست مجرد تمرين للجسم، بل هي فرصة ممتازة للتمتع بجمال البحر والموج الهادئ والنسيم الخفيف، الذي يعطي شعورا كبيرا بالراحة والصحة، والمشي في الصباح الباكر يساعد على طرد التعب، وإعطاء الجسم طاقة نشيطة، تبدأ بها يومك بكل حيوية وسعادة.
كبار السن يضربون أورع الأمثلة
أكثر ما يشد انتباهك عند السير في الشارع، والمساحات الشاطئية، صباحا، كبار السن والمتقاعدون. هؤلاء الشيوخ والكهول يضربون كل يوم، أروع مثال في الالتزام وحب الحياة والصحة؛ إذ يخرجون من بيوتهم مبكرا بعد صلاة الفجر، قبل طلوع الشمس أحيانا، ويلتقون عند شاطئ “شابي”. بعضهم يفضل المشي الخفيف لعدة كيلومترات، وبعضهم الآخر يقوم بتدريبات رياضية بسيطة، لليونة العضلات والمفاصل. هذه اللقاءات الصباحية لا تقتصر على الحركة فقط، بل هي مجال واسع للحديث والتعارف، حيث يجلسون بعد الرياضة على المقاعد المطلة على البحر، ليتبادل أطراف الحديث حول أحوال الطقس، والذكريات القديمة، وأخبار الأهل والأصدقاء، مما يجعل هذه الرياضة طريقة فعالة لتقوية العلاقات الاجتماعية بين أبناء المدينة. كما أن حضور كبار السن المستمر، يشجع باقي المواطنين من الشباب والأطفال على تقليدهم واتباع نفس الطريق الصحي، فالمشي الصباحي، لم يعد مجرد هواية فردية، بل صار ملتقى يجمع أبناء الأحياء المختلفة في عنابة، في جو مليء بالمحبة والمودة والتآخي.
بالنسبة للشباب وللأشخاص، الذين يحبون التمارين النشيطة، يعتبر الطريق المرتفع، والذي يمتد نحو منطقة “رأس الحمراء”، المكان المفضل والمحبب لديهم. هذا الطريق الذي يلتف حول الجبل، ويطل مباشرة على البحر، يوفر مناظر طبيعية خلابة، يختلط فيها لون البحر الأزرق مع اخضرار الطبيعة في الخريف. والركض أو المشي السريع صعودا نحو المنارة التاريخية في “رأس الحمراء”، يمنح الجسم قدرة كبيرة على النشاط، ويساعد الرئتين على التنفس بشكل أفضل وأعمق. وعند الوصول إلى الأعلى، يقف الرياضيون للاستراحة والاستمتاع بالمنظر الغابي وزرقة المياه، في لحظات تمنح العقل والجسد راحة نفسية لا تصدق. هذا المسار يجمع بين رياضة المشي الجبلي والرياضة البحرية في وقت واحد، وهو ما يجعل منطقة رأس الحمراء، تمتاز بسحر خاص، يختلف عن بقية شواطئ المدينة، فالصعود إلى أعلى نقطة يعطي الرياضي شعورا بالحيوية والتجديد مع كل صباح.
هذه فوائد الرياضة في فصل الخريف
يؤكد الأطباء دائما، أن ممارسة المشي والرياضة في الهواء المفتوح، خلال الخريف، تنعكس إيجابيا وبشكل مباشر، على صحة الإنسان. فالطقس يمنح القلب راحة أثناء الحركة، فلا يشعر الإنسان بالتعب السريع، كما يحدث في أيام الحر الشديد خلال الصيف. كما أن التعرض لأشعة الشمس الخريفية الخفيفة، يساعد الجسم على صناعة الفيتامينات المفيدة للعظام والمناعة. ومن الناحية النفسية، يساهم المشي أمام البحر في تخفيف التوتر والقلق اليومي، ويقضي على الشعور بالكسل أو التغير المزاجي، الذي قد يصيب بعض الناس مع بداية تقلب الفصول؛ إذ أن حركة الموج وصوت الماء يعملان مثل مسكن طبيعي يريح الأعصاب، ويهدئ الذهن تماما. علاوة على ذلك، فإن المواظبة على هذه الرياضة، تعزز نمط النوم المنتظم وتساعد العائلات على تنشيط دورة حياتها اليومية، بعيدا عن الجلوس الطويل أمام الشاشات، والهواتف الذكية التي تسبب خمول الجسد وتعب العيون.
تحولت هذه الثقافة الرياضية اليومية بعنابة، مع الوقت، إلى صورة جميلة، تعبر عن وعي أهل المنطقة بأهمية الصحة والنمط المعيشي السليم. فالشاطئ لم يعد مجرد مكان للسباحة في الصيف فقط، بل صار صديقا يرافق السكان في كل الفصول، خاصة في فصل الخريف. إن شريط “شابي” ومرتفعات “رأس الحمراء” يشهدان يوميا على قصة تزاوج روحي، يجمع سكان مدينة عنابة بالطبيعة والصحة، وهي رسالة بسيطة ومباشرة، تقول إن العافية والنشاط يبدآن بخطوة بسيطة كل صباح، على رمال البحر وتحت السماء الخريفية الصافية، لتظل عنابة دائما، مدينة مفعمة بالحياة والأمل.