الزواج تحت ضغط الماديات
المتطلبات الجديدة تضع الحب والمودة أمام اختبار الواقع
- 180
نور الهدى بوطيبة
❊ علاقات تُبنى على مصالح مشتركة
❊ الحب وحده لا يدفع الإيجار، والماديات لا تبني العلاقة الطيبة
يدخل كثير من الشباب اليوم، معركة الحياة اليومية، وهم يحملون حلم الزواج، لكنهم يصطدمون بواقع مادي ضاغط، يجعل هذا الحلم يبدو أبعد مما كان عليه في الماضي، بعدما تغيرت أشكال العلاقات الاجتماعية تحت تأثير الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. حينها، تحولت كذلك فكرة الزواج نفسها من خطوة طبيعية في مسار الحياة، إلى مشروع يحتاج إلى دراسة وتمويل وتخطيط دقيق، لاسيما من الناحية المادية. ومع هذا التحول، أصبح من غير السهل تأسيس علاقة زوجية دون التخطيط لها لسنوات، ولم يعد، على ما يبدو، الحب وحده كافيًا للتفكير في الزواج والارتباط. إذ مهما بلغ الحب من درجات، يؤكد الكثيرون ممن شملهم استطلاع "المساء"، أن الحب وحده لم يعد يصمد أمام هذا القدر الكبير من ضغوط الحياة ومتطلباتها الجديدة.
يقبل اليوم، الكثير من الشباب، على فكرة الزواج، وهم محاطون بقدر كبير من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع يختلف عما عاشه الآباء والأجداد، حيث تغير مفهوم الاستقرار، وشروط تكوين الأسرة، وأصبح الزواج يُنظر إليه على أنه، مشروع استثماري يحتاج إلى رأس مال وخطة، فتحول بذلك من خطوة طبيعية تُبنى على توافق الطرفين والعائلتين. وكانت الولائم تُقام أحيانا في أجواء بسيطة جدا، لا تهم فيها الضخامة بقدر ما يهم عقد القران، ولم يكن الزوجان يهتمان بتلك التفاصيل، بقدر اهتمامهما بحبهما لبعضهما ورغبتهما في تكوين أسرة، وتمضية بقية حياتهما في بناء تلك التفاصيل معا.
وكان الطريق نحو تلك العلاقات الزوجية بسيطا جدا، وكانت العائلات تلعب دورا محوريا في دعم الأبناء لتكوين الأسرة، وكانت العلاقات مبنية على القناعة والبساطة، وكانت الأسرة في حد ذاتها قدوة؛ فالأم قدوة لابنتها، والأب قدوة لابنه ورجل المستقبل. وكانت تلك العلاقات تُبنى على أسس صحيحة، قوامها الحب والاحترام وتقدير الطرف الآخر، ليكون الزواج مسؤولية جماعية، لا فردية.
الماضي طبعته الثقة والتنازلات
عن هذا الموضوع، حدثنا علي فراخ، محامٍ وخبير أسري، قائلا إن العلاقات بين الماضي والحاضر تغيرت بشكل ملحوظ جدا، فبينما كانت سابقا، مبنية على الحب والثقة والتنازلات، وحتى التضحيات، أصبحت اليوم، في كثير من الأحيان مادية، وتُبنى بعض تلك العلاقات على مصالح مشتركة، لا تفاهم فيها ولا تكامل ولا توافق، وهو ما يعد أحد أهم أسباب الطلاق، التي تشهدها المحاكم الجزائرية.
وشدد المحامي، صاحب خبرة تفوق 45 سنة في الميدان، على أن الشاب أو الفتاة لم يكونا يشعران بثقل الأعباء، كما هو الحال اليوم، أي الأعباء المادية التي كان يتحمل جزءًا منها الأهل، بدعم من الأب أو حتى الأم، وباقي أفراد العائلة، خصوصًا إذا كان الزوجان صغيرين في السن. ويضيف أن تراجع هذا الدور العائلي، مع صعود النزعة الفردية، جعل كل شخص أمام مسؤولية تأمين مستقبله بجهده الخاص، وهو ما رفع سقف الضغوط المعيشية والنفسية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ورغم خروج الرجل والمرأة إلى العمل على السواء، لم يعد ذلك، على ما يبدو، كافيا لتوفير جميع متطلبات الحياة اليومية.
وأكد المحامي، أنه لا يمكن إنكار أن الزواج تغير جذريًا بين الأمس واليوم؛ ففي الماضي، كانت البيوت تُبنى بجهد بسيط وإمكانات محدودة، وكانت العائلات تساند أبناءها بروح جماعية متماسكة، كما كانت توقعات الزواج أقرب إلى البساطة، وكانت تقوم في أغلبها، على الحب والاحترام والرغبة الصادقة في تكوين أسرة، وليس البحث عن زوج يتحمل أعباء الحياة، أو عن زوجة تتحمل أعباء أعمال المنزل وغيرها.
ويوضح المحامي، أن الزواج سابقًا، كان يعتمد على التكامل بين العائلات وعلى رضا الطرفين، بينما أصبحت التفاصيل المادية اليوم، جزءا أساسيًا من النقاش قبل الخطوة الأولى. ويؤكد أن التحولات الاقتصادية أثرت مباشرة في معايير اختيار الشريك، وفي قدرة الشباب على الإقدام على الزواج، حتى إن بعض الشباب أصبحوا يبحثون عن زوجات عاملات، لتحمل جزء من تلك الأعباء المادية، وأحيانا كلها.
وتتجلى هذه التحولات في أمثلة واقعية نراها اليوم؛ مثل شاب يعمل لسنوات طويلة ليجمع تكلفة شقة، أو حتى إيجار مناسب، وفتاة تتعامل مع مجتمع يربط الاستقرار بجودة الحياة الزوجية، وعائلتان تحاولان الاتفاق على تفاصيل لم تكن مطروحة سابقًا، مثل نوع الأثاث، ومستوى الدخل، والعيش في سكن منفرد، وشكل الحياة المستقبلية، وغيرها من التفاصيل التي أصبحت جزءًا من المعادلة، ولم يعد الاكتفاء بالحب وحده كافيًا لضمان بداية ناجحة.
لكن هذا لا يعني أن الحب فقد قيمته، يشدد محدثنا، بل على العكس، فالحب اليوم، ربما أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يشكل الركيزة التي تساعد الشريكين على تجاوز أزمات الحياة. مشيرا إلى أن الحب ليس بديلًا عن الأسس المادية، لكنه العامل الذي يخفف من ضغطها ويمنح الزوجين القدرة على مواجهة التحديات بمرونة أكبر. موضحا أنه لا يمكن التنازل عن أي منهما، أي الحب أو القدرة المادية، فالحب وحده لا يدفع الإيجار، والماديات أيضًا لا تبني العلاقة الطيبة والعشرة الحسنة، وإنما وجودهما معًا، ولو بقدر معقول، يصنع بيئة تتيح التعاون، وفهم الأولويات، وتجاوز الخلافات.