عندما يتحول نسج الخيال عند الطفل إلى مشكل نفساني
الكذب المرضي.. حالة خطيرة يحذر منها الخبراء
- 130
نور الهدى بوطيبة
يعيش كثير من الأطفال في عالم مليء بالخيال والتجارب الجديدة، ويحاولون من خلاله فهم ما يدور حولهم والتعبير عن مشاعرهم بطرق مختلفة، ومن بين هذه السلوكيات، يظهر الكذب كتصرف قد يبدو عاديا في بعض المراحل، لكنه سرعان ما قد يتحول إلى مشكلة حقيقية، إذا تكرر بشكل مبالغ فيه، خاصة عندما يصبح وسيلة دائمة للهروب أو لجذب الانتباه، هنا تبرز أهمية فهم هذا السلوك وعدم تجاهله، لأن التعامل الخاطئ معه، قد يزيده تعقيدا ويؤثر على نمو الطفل النفسي والاجتماعي، ويؤثر على شخصيته مستقبلا، ليتحول إلى بالغ يكذب، دون أن يدرك عظمة ذلك الأمر، ويتحول إلى شخص ميثومان.
ومع تكرار هذا السلوك عند بعض الأطفال بشكل لافت، لم يعد الأمر مجرد كذبات عابرة، مرتبطة باللعب أو الخيال، بل يتحول تدريجيا إلى نمط ثابت، يصعب التحكم فيه، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول أسبابه ودلالاته وكيفية التعامل معه، خاصة عندما يلاحظ الأولياء أن الطفل يختلق القصص دون خوف أو تردد.
وفي هذا الإطار، يؤكد المختص النفسي عبد الكريم طالبي، أن الكذب المرضي عند الأطفال لا يظهر من فراغ، بل يكون غالبا نتيجة عوامل نفسية أو اجتماعية، تدفع الطفل إلى تبني هذا السلوك، مثل الخوف من العقاب أو الشعور بالإهمال أو الحاجة إلى لفت الانتباه، كما قد يكون تقليدا لما يراه في محيطه، مما يجعل فهم السبب، خطوة أساسية في العلاج، مضيفا أن هذا النوع من الكذب، غالبا ما يكون رسالة غير مباشرة من الطفل، تعبر عن حاجة داخلية لم يتم الانتباه لها، تتحول مع الوقت، إلى عادة طبيعية لديه، يمارسها دون أي شعور بالذنب، حتى عند تقدمه في السن.
ويرى المختص، أن أسباب الكذب المرضي عند الأطفال متعددة، فقد يكون نتيجة الخوف، فيلجأ إلى اختلاق قصص لتجنب اللوم والعقاب، أو بسبب الرغبة في لفت الانتباه، خاصة إذا كان يشعر بالإهمال داخل الأسرة، كما يمكن أن يكون حمل سلوكيات من حوله من الكبار الذين يستخدمون الكذب في مواقفهم اليومية، إضافة إلى ذلك، يلعب الخيال الواسع دورا مهما عند الأطفال الصغار، حيث يختلط عليهم الواقع بالخيال، لكن الخطورة تكمن، عندما يستمر هذا السلوك مع التقدم في العمر دون توجيه.
وشدد عبد الكريم طالبي، على أن علاج الكذب المرضي لا يعتمد على العقاب القاسي، إذ يمكن لهذا الأخير أن يزيد الطين بلة، بل على الحوار الهادئ وفهم دوافع الطفل، حيث ينصح بخلق بيئة آمنة، يشعر فيها الطفل بإمكانية قول الحقيقة دون محاكمة، مع تعزيز الصدق، من خلال التشجيع والثناء عند قول الحقيقة، كما يجب على الوالدين أن يكونا قدوة في الصدق، لأن الطفل يتعلم بالسلوك أكثر من الكلام، وفي بعض الحالات، قد يحتاج الأمر إلى متابعة نفسية، إذا كان الكذب مرتبطا باضطرابات أعمق.
أما في حال تم تجاهل هذه المشكلة، فقد تتطور إلى سلوك دائم، يرافق الطفل في مراحل متقدمة من حياته، مما يؤثر على علاقاته الاجتماعية ويضعف ثقته بنفسه، وقد يجد صعوبة في بناء علاقات قائمة على الثقة، كما يمكن أن يواجه مشاكل دراسية وسلوكية، نتيجة فقدان المصداقية، لذلك يبقى التدخل المبكر عاملا أساسيا في تصحيح هذا المسار، ومساعدة الطفل على اكتساب قيم الصدق والمسؤولية، على حد قوله.
وأوضح المختص، أن الكذب المرضي يظهر خطورته عند البلوغ، إذ يمكن أن تجد رجلا بالغا أو امرأة مسنة تمارس الكذب حتى دون أي دافع، بل تحولت إلى سلوك راسخ، مضيفا أن هناك حالات تصل بهم لمرحلة تصديق أكاذيب، هم في حد ذاتهم الفوها، ومن ثم تخلق لديهم فوضى في المعلومات في أوساطهم، خصوصا إذا ما تم تصديق بعض تلك الأكاذيب، لاسيما إذا كانت من القصص التي يمكن أن تضر من حولهم..