حاضرة في كل المهرجانات والأعراس

"القندورة العنابية" روح المجتمع وتراث العائلات

"القندورة العنابية" روح المجتمع وتراث العائلات
  • 300
سميرة عوام سميرة عوام

تحول اللباس التقليدي بمدينة عنابة، إلى عنوان بارز للتميز الاجتماعي وأصالة العائلات، حيث بات يحتل مكانة مهمة في قلب كل تظاهرة أو مهرجان أو عرس تقليدي كبير، يقام في ربوع الولاية، ليعكس بصدق روح التلاحم والترابط بين أبناء المنطقة... تتألق هذه المدينة بموروث شعبي فريد وأصيل، يتناقله الأبناء عن الأجداد بكل فخر واعتزاز، متزينين بأبهى الحلل التي تعبر عن رقي الذوق العنابي. ومن أبرز رموز هذا التراث العريق، الذي يتوارثه المجتمع العنابي بكل حب واعتزاز، نجد اللباس التقليدي النسوي الراقي، وعلى رأس هذه التحف الخالدة نجد "قندورة الفتلة" و"المجبود". 

لقد تحولت “القندورة العنابية”، بنوعيها التقليدي العريق والحديث المطور، إلى قطعة فنية مميزة تخطف الأنظار في تجمعات النساء، وتبرز بوضوح تام لتكون العنوان الأبرز لكل احتفالية كبرى، تجسد روح المجتمع وعراقة العائلات العنابية. حين تحتضن عنابة الفعاليات والأنشطة المختلفة، يكون أول ما يسأل عنه الزوار والوفود القادمة، وخاصة النساء القادمات من مختلف ولايات الوطن، وحتى من خارج البلاد، هو “القندورة العنابية”، بمختلف أنواعها وأشكالها الفنية الدقيقة.

إن الشغف الكبير باكتشاف هذا الزي الراقي، جعل الجمعيات الفاعلة والناشطة بالولاية تتزاحم وتتفنن في توفير أنواع مختلفة من "القندورة العنابية"، وعلى رأسها طرز "الفتلة" و"المجبود"، لتتزين بها ضيفات التظاهرات الكبرى، مما يعكس بصدق، حرص المجتمع العنابي على إبراز هويته التقليدية الأصيلة في كل المحافل والمناسبات السعيدة، التي تجمع العائلات والأصدقاء في أجواء من البهجة والافتخار والاعتزاز بالانتماء العائلي والمجتمعي العريق.

"القندورة العنابية".. أناقة وفن وتاريخ

لا تكمل روعة "القندورة العنابية"، إلا بتفاصيلها الدقيقة ومكوناتها المتناسقة التي تصنعها أنامل حرة وماهرة من الحرفيات والماشطات، اللواتي يبذلن جهدا كبيرا لإتقان العمل وإخراجه في أبهى حلة ممكنة، تليق بمقام المرأة في المجتمع. تتكون "القندورة العنابية" أساسا، من قماش فاخر عالي الجودة، وغالبا ما يكون من أقمشة "القطيفة" الثقيلة والناعمة، التي تمنح الفستان فخامة مميزة لا نظير لها، وتأتي بألوان دافئة وجذابة، كاللون العنابي الشهير، والأسود والأخضر الداكن والأزرق الملكي الراقي.

يضاف إلى ذلك خيوط الطرز الذهبية والفضية البراقة التي تنسج بها زخارف نباتية وهندسية دقيقة، تعبر عن مهارة وحنكة الصانع التقليدي العنابي. كما تطرز “القندورة” بعناية فائقة على مستوى الصدر والأكمام والأطراف، لتكتمل حلتها بأحزمة تقليدية مزخرفة ومجدولة تسمى "المجبود" أو "الفتلة"، والتي تضفي على المرأة التي ترتديها هيبة ووقارا وأناقة ساحرة لا تقاوم في كل المناسبات العائلية.

رمز الهوية والتميز في الأعراس والمناسبات الكبرى

تعد "قندورة الفتلة" و"المجبود"، أكثر بكثير من مجرد لباس تقليدي عادي، يرتدى في مواسم معينة؛ فهي رمز راسخ لهوية المرأة العنابية وعنوان لكرامتها وفخرها بتراث عائلتها. ففي الأعراس والمناسبات الاجتماعية الكبرى، تحرص العروس العنابية أشد الحرص، على أن تكون هذه "القندورة" أساس جهازها الثمين، حيث تتفاخر بارتدائها في ليلة الحناء أو الصباحية أو في سهرات الاستقبال، لتتربع بكل مراتب الاستحقاق على عرش الجمال التقليدي الجزائري الأصيل.

كما أن استمرارية هذا الإرث الفني الجميل ترتبط ارتباطا وثيقا بجهود الحرفيات المحليات، اللائي يكرسن حياتهن للحفاظ على هذه الصنعة العريقة من الاندثار، متجاوزات كل الصعاب، لتطوير تصاميم جديدة تدمج بين الأصالة المريحة والعصرية الجذابة، التي تناسب أذواق الفتيات اليوم، دون المساس بروح التراث الأصيل وجوهره الثمين.

جسر تواصل بين الماضي والمستقبل

إن الإقبال المستمر والواسع على "القندورة العنابية"، في كل التظاهرات والمحافل، يعكس بوضوح، قدرة المجتمع العنابي على الحفاظ على تراثه المحلي وصموده في العصر الحديث. فكل خيط من خيوط الفتلة وكل نقشة دقيقة من المجبود، تحكي قصة إبداع إنسان هذه الأرض الطيبة، وتجسد وفاء العائلات العنابية لتقاليدها التي لا تموت بمرور الزمن وتغير الأجيال. وبذلك، تظل مدينة عنابة وفية لتاريخها وأصالتها الاجتماعية، وتستمر "قندورة الفتلة" و"المجبود" في أسر قلوب كل الزوار والوافدين إليها، راوية حكايات الجمال والفن والإبداع المتواصل عبر الأجيال، لتظل دائما رمزا خالدا وجميلاً، يجمع بين روعة الماضي العريق وبهجة الحاضر المتجدد.