الكتاب يزاحم الشاشات تحت أشعة الشمس
القراءة بين ظلال أمس وشواطئ اليوم
- 169
وردة زرقين
كان الكتاب بالأمس رفيقا طبيعيا للعطلة الصيفية. وكانت القراءة جزءا من طقوس فصل الصيف؛ فهي لم تكن مرتبطة دائما بمكتبة أو بغرفة هادئة، فتَحت شجرة وارفة الظلال وشاطئ يفتح ذراعيه للبحر، كان المصطاف يحمل كتابه كما يحمل منشفة الشاطئ وقارورة الماء؛ بحثا عن متعة مزدوجة... متعة المكان ومتعة القراءة. أمّا اليوم فإن الكتاب ينافس عالما كاملا من الشاشات.
في الأمس القريب كانت ساعات الفراغ تُستثمر في القراءة على رمال الشواطئ، أو في الحديقة، أو في الهواء الطلق، أو تحت شجرة وارفة الظلال في البادية، فكان القوالمية، بصفة خاصة، والجزائريون بصفة عامة، يجدون في القراءة طريقة أخرى لقضاء العطلة الصيفية؛ بحيث كان الكتاب جزءا من طقوس عطلتهم، ووسيلة للابتعاد عن صخب الحياة. كانت لحظة بسيطة تختزن صورة عن زمن كانت فيه العلاقة بالكتاب أكثر حميمية.
أمّا اليوم فقد تغيّر المشهد، ولم يعد الكتاب الضيف الوحيد على الشاطئ؛ فقد دخل الهاتف بقوة إلى تفاصيل العطلة الصيفية. وأصبحت الشاشة تنافس الورق من الصور، ومواقع التواصل الاجتماعي، والفيديوهات القصيرة والمراسلات. وكلها أصبحت تزاحم صفحات الكتاب؛ بحيث صار الهاتف الذكي الرفيق الأول للمصطاف، وللمسافر. والشاشة تنافس الكتاب حتى في أكثر الأماكن هدوءًا.
ورغم تغيّر الأزمنة إلا أن البحر لم يتغيّر في علاقته بالكتاب، ومع ذلك لم تختفِ القراءة عن الشواطئ الجزائرية، وإنّما تغيّرت أشكالها وإيقاعها، فمازال هناك من يختار كتابا ورقيا ليصحبه الى البحر للقراءة تحت الظلال، بل هناك من يجد في العطلة الصيفية فرصة لاستعادة كتاب ظل مؤجلا لشهور أو لسنوات؛ فالبحر يأخذ الجسد بعيدا، بينما الكتاب يأخذ الروح إلى أماكن أخرى.
وبين قراءة أمس وقراءة اليوم لا يتعلق الأمر فقط بالورق والهاتف، وإنّما بتحوّل عميق في عاداتنا، وفي طريقة استهلاكنا للوقت، فقد كان الكتاب يمنح المصطاف فرصة للابتعاد عن العالم، بينما تأخذنا الشاشات اليوم، إلى العالم حتى ونحن على شاطئ البحر. ومع ذلك يبقى مشهد قارئ يجلس تحت ظل شجرة أو أمام البحر والكتاب بين يديه، أكثر من مجرّد صورة صيفية؛ مشهد يُعدّ من أجمل مشاهد الصيف؛ في إشارة إلى أن القراءة كيان لا تستطيع التكنولوجيا أن تلغيه، ليبقى الكتاب صديقا على مرّ الزمن، ورفيقا هادئا في فسحة لا يعكرها سوى صوت البحر؛ فالزمن تغيّر، لكن حاجة الإنسان إلى لحظة هدوء لم تتغيّر.