يعيد ترتيب الأولويات
الغلاء يغير سلوك المستهلك الجزائري
- 108
نور الهدى بوطيبة
يعيش المجتمع الجزائري، كباقي شعوب العالم، خلال الآونة الأخيرة، على إيقاع التحولات الاقتصادية التي تعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، بسبب ما يحدث حول العالم من حروب وأزمات، وهو واقع يفرض اليوم، على الأفراد، طرقًا جديدة في التفكير والتدبير. ومع تسارع وتيرة التغيرات العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، لم يعد الاستقرار السعري أمرا مضمونا، بل صار المواطن يواجه واقعا متقلبا، تتداخل فيه العوامل الداخلية والخارجية، في مشهد يختبر قدرة الجميع على التكيف والصمود، وتصبح فيه الأسواق مرآة، تعكس حجم التحديات التي يمر بها المجتمع.
وسط هذه التحولات، تبرز موجة الغلاء كأحد أبرز الانشغالات اليومية، حيث لم تعد مجرد أرقام تتغير، بل تحولت إلى ضغط محسوس يرافق المواطن في تفاصيل يومه، من أبسط المشتريات إلى أكبر الالتزامات، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول سلوك الاستهلاك، ومدى قدرة الفرد على التحكم في نفقاته، بل وحتى اللجوء إلى وسائل، مثل المقاطعة، كنوع من التفاعل مع هذا الواقع المتغير، ومحاولة كسره من خلال سلوك استهلاكي واعٍ.
القليل يكفي بدل الكيلوغرامات
في جولة قادت “المساء” إلى عدد من الأسواق بالعاصمة، لفت انتباهنا أن الغلاء مس بشكل واضح، بعض الخضر وغيرها من أساسيات المطبخ الجزائري، إلى جانب بعض الفواكه التي أصبحت بعيدة عن متناول كثير من الأسر، كما ارتفعت أسعار مواد أخرى لا تقل ضرورة، وهو ما جعل المستهلك يعيد ترتيب أولوياته، ويكتفي بالضروري فقط.
وعبرت بعض ربات البيوت، في حديثهن لـ«المساء”، عن معاناتهن، مشيرات إلى أن ميزانية البيت لم تعد تكفي، كما في السابق، وأنهن يضطررن في كل مرة إلى حذف بعض المشتريات، بينما أكد آخرون، على غرار الشاب “م. مصطفى”، وهو موظف في مؤسسة عمومية، أنه صار يقارن الأسعار بين المحلات، ويبحث عن الأرخص، ويقلل من الكميات، فيكتفي، مثلا، بحبات قليلة بدل اقتناء كيلوغرام كامل، وهو سلوك أصبح شائعا بين المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على التأقلم مع هذا الوضع.
في هذا السياق، تبرز المقاطعة كخيار يلجأ إليه البعض، في محاولة للضغط على التجار وخفض الأسعار، وإن كانت أحيانا مبادرات بسيطة على مستوى الفرد، تدفعه إليها محدودية إمكانياته في اقتناء البضاعة، إلا أنها تبقى سلاحا قويا إذا ما اتحدت الأغلبية، للضغط على السوق. ويرى عدد من المواطنين، أن الامتناع عن شراء بعض المنتجات مرتفعة الثمن، قد يدفع إلى تراجع أسعارها، بينما يعتبر آخرون أن هذه السياسة تبقى محدودة، إذا لم تشمل شريحة واسعة من المستهلكين، وتستمر لفترة كافية، ما يجعل فعاليتها مرتبطة بمدى وعي المجتمع وتنسيقه.
وعن هذا الموضوع، حدثنا ياسين برغوم، أستاذ في الاقتصاد، أن موجة الغلاء ناتجة عن عدة عوامل، على غرار أزمة “كورونا” العالمية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وبعض الممارسات غير القانونية، مثل المضاربة وتخزين السلع، بهدف رفع أسعارها، وهو ما يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن، مضيفا أن المقاطعة يمكن أن تكون وسيلة فعالة، إذا كانت منظمة ومبنية على وعي جماعي، لكنها لا تغني عن دور الدولة في ضبط السوق.
وشدد محدثنا، على أن تغير العادات الاستهلاكية بات أمرا واقعا، حيث اتجهت العديد من الأسر إلى تقليل الهدر والاعتماد على بدائل أقل تكلفة، مع العودة إلى بعض السلوكيات التقليدية في التدبير المنزلي، مثل تخزين المواد في مواسم انخفاض أسعارها، أو الاعتماد على المنتوج المحلي بدل المستورد، وهو ما يعكس نوعا من التكيف الاجتماعي مع الأزمة، لكنه في الوقت نفسه، يكشف حجم الضغط الذي تعيشه الأسر، في ظل تراجع القدرة الشرائية.
في مواجهة هذه التجاوزات، تعمل الجهات المختصة على تكثيف الرقابة على الأسواق ومتابعة التجار المخالفين، وهو ما يشهده السوق، من خلال الحملات التي يقودها أعوان الرقابة التابعون لمديرية التجارة، حيث تقوم مصالح الرقابة بحملات تفتيش مستمرة، لرصد حالات الاحتكار والمضاربة، مع فرض عقوبات على المتورطين، كما يتم اتخاذ إجراءات لتنظيم توزيع بعض المواد، وضمان توفرها بأسعار معقولة، وهو ما يعكس السعي المستمر للحد من الاختلالات وإعادة التوازن إلى السوق، في ظل ظروف اقتصادية دقيقة، تتطلب تضافر جهود الجميع، خصوصا وأن العديد من التجار الذين يغيب لديهم الضمير المهني، يحاولون استغلال بعض المناسبات، لرفع الأسعار.