عندما يغير الصيف مزاج الإنسان

العصبية والانفعال.. الوجه الآخر لموجات الحر

العصبية والانفعال.. الوجه الآخر لموجات الحر
  • 566
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع كل صيف، تعود مشاهد الازدحام، وتزداد الشكوى من العصبية وسرعة الانفعال، وتكثر الخلافات في الطرقات والأسواق ووسائل النقل، وداخل البيوت، حتى أصبح كثير من الناس يرددون عبارة “الحر يزيد القلق”، فتتحول بذلك موجات الحر إلى عامل يزيد حدة التوتر والغضب داخل المجتمع. وبذلك، لم يعد الحديث عن الحرارة يقتصر على الأرقام التي تعلنها مصالح الأرصاد الجوية، بل أصبح موضوعا اجتماعيا ونفسيا، يلامس تفاصيل الحياة اليومية، فكلما ارتفعت درجات الحرارة، تغير إيقاع الحياة، وأصبح الناس أقل صبرا وأكثر حساسية تجاه المواقف البسيطة.

مع تكرار موجات الحر الشديدة خلال السنوات الأخيرة، لم يعد تأثير الحرارة يقتصر على الصحة الجسدية أو الراحة اليومية، بل امتد ليطول الجانب النفسي، وطريقة تفاعل الناس، وتعاملهم مع بعضهم البعض، فازدادت مظاهر التوتر وسرعة الانفعال في الأماكن العامة وداخل الأسر، وأصبحت العصبية جزءًا من المشاهد اليومية، خصوصا في الأيام شديدة الحرارة، وهو ما دفع المختصين إلى دراسة العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة وسلوك الإنسان.

وفي حديثه لـ”المساء”، أوضح نذير حديد، أستاذ في علم النفس، أن حرارة الجو لا تخلق الغضب من العدم، لكنها ترفع قابلية الإنسان للانفعال، فالدماغ يعمل باستمرار على محاولة الحفاظ على توازن حرارة الجسم، وعندما ترتفع درجة الحرارة إلى مستوى عالٍ، يبذل الجسم جهدا إضافيا للتبريد، من خلال زيادة التعرق وتوسيع الأوعية الدموية، وهذا الجهد يستهلك جزءًا من الطاقة التي يعتمد عليها الدماغ، للحفاظ على التركيز وضبط الانفعالات، لذلك يصبح الشخص أقل قدرة على تحمل الضغوط اليومية.

ويضيف أن دراسات نفسية عديدة، تشير إلى أن التعرض المستمر للحرارة المرتفعة، يزيد من الشعور بعدم الارتياح الجسدي، وهذا الشعور ينتقل تدريجيًا إلى الجانب النفسي، فيصبح الفرد أكثر ميلًا إلى تفسير تصرفات الآخرين على أنها استفزاز أو تعدٍّ عليه، رغم أنها قد تكون مواقف عادية في ظروف أخرى. لذلك نجد أن خلافًا بسيطًا بسبب الدور في طابور داخل محل أو في مؤسسة خدماتية، أو بسبب ازدحام المرور، قد يتطور بسرعة إلى شجار حاد.

ويشرح الأخصائي، أن النوم من أكثر الجوانب التي تتأثر بالحرارة، فارتفاع درجات الحرارة خلال الليل يقلل من جودة النوم، ويزيد من مرات الاستيقاظ، وعندما لا يحصل الإنسان على نوم كافٍ، يفقد جزءًا من قدرته على التحكم في مشاعره. مضيفا أن ذلك يعمل أيضا على إضعاف سرعة اتخاذ القرار، فيصبح أكثر اندفاعا حتى لأتفه الأسباب وأبسطها. وقد أثبتت أبحاث في علم الأعصاب، يضيف، أن قلة النوم تقلل من كفاءة المناطق المسؤولة عن تنظيم الانفعالات في الدماغ، بينما تزيد من نشاط المناطق المرتبطة بردود الفعل العاطفية السريعة، وهو ما يفسر سرعة الغضب في الأيام شديدة الحر.

وأكد حديد، أن الحرارة لا تؤثر في الجميع بالطريقة نفسها، فهناك عوامل أخرى تحدد شدة التأثر، مثل العمر، والحالة الصحية، والضغوط النفسية، وكذا طبيعة العمل. فالأشخاص، مثلًا، الذين يعملون لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، أو يعيشون في مساكن سيئة التهوية، أو لديهم مشكلات اجتماعية، يكونون أكثر عرضة للتوتر والانفعال من غيرهم، كما أن كبار السن والأطفال قد يعانون من آثار الحرارة بشكل أكبر، بسبب قدرة أجسامهم المحدودة على التكيف.

من ناحية أخرى، يرى الأخصائي أن المشكلة لا تكمن في الحرارة وحدها، بل في اجتماعها مع ظروف أخرى، مثل الازدحام والضوضاء والانقطاع المتكرر للكهرباء أو الماء، وضغط العمل، والقلق الاقتصادي. فهذه العوامل تتفاعل مع الحرارة، لتُشكل بيئة تزيد من احتمالات التوتر والنزاعات، لذلك قد نلاحظ ارتفاع المشاحنات داخل الأسرة، أو في الأماكن العامة خلال موجات الحر الشديدة، أكثر من وقوعها في المواقف نفسها في أيام البرد.

وأكد، في الأخير، أن التعامل مع هذه الظاهرة، لا يكون فقط باستعمال وسائل التبريد، بل أيضًا بتنظيم ساعات النوم والعمل، وشرب الماء بانتظام لتفادي الجفاف، وتجنب النقاشات الحادة في أوقات ذروة الحرارة، مع نشر الوعي بأن بعض الانفعالات قد تكون مرتبطة بالإجهاد الحراري، أكثر من ارتباطها برغبة في الدخول في نزاع، لأن إدراك هذه الحقيقة يساعد الأفراد على التحكم في ردود أفعالهم، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على التعايش مع موجات الحر، التي أصبحت تتكرر بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة، وتبلغ أحيانًا درجات غير مسبوقة.