رياض الأطفال بديل حتمي للأمهات

العاملات بين الحاجة للوظيفة ومسؤولية تربية الأبناء

العاملات بين الحاجة للوظيفة ومسؤولية تربية الأبناء
  • 281
كمال لحياني كمال لحياني

لم يعد مشهد الأطفال وهم يحملون حقائبهم الصغيرة، متجهين إلى رياض الأطفال في الصباح الباكر، مشهدا عابرا في الشارع الجزائري، بل أصبح ظاهرة اجتماعية متجذرة، تعكس تحولات عميقة في بنية الأسرة الجزائرية، ومفهوم الأمومة والتربية.

عرفت الجزائر في السنوات الأخيرة، انتشارا كبيرا لدور الحضانة ورياض الأطفال، حيث أصبح الكثير من الجزائريين يستثمرون في هذا المجال، لتحقيق الربح السريع، خاصة في ظل ارتفاع الطلب على هذه المنشآت، التي فرضتها التغيرات الاجتماعية، التي طرأت على الأسرة، بخروج المرأة للعمل وحاجتها لمن يحتضن أبناءها، ويقف على تربيتهم، في فترة غيابهم عن البيت. فمع اقتحام المرأة لميادين العمل المختلفة، وجدت نفسها أمام معادلة صعبة؛ كيف توازن بين طموحها المهني ومسؤولياتها التربوية؟ وكيف تختار بين الاستقلال المالي والحضور الدائم في حياة أبنائها؟

بين مطرقة منصب العمل والتربية السليمة

تعيش الأسرة اليوم، تحت وطأة ضغوط اقتصادية متصاعدة، حيث ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق، مما جعل الاعتماد على راتب واحد، أمرا شبه مستحيل للطبقة المتوسطة، هذا الواقع الاقتصادي، إلى جانب ارتفاع مستوى تعليم المرأة وتطلعاتها المهنية، خلق حاجة ملحة لإيجاد بدائل لرعاية الأطفال، وهكذا انتشرت دور الحضانة والروضات كحل "اضطراري" وليس "اختياري"، في كثير من الأحيان.

غير أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها مفارقة مؤلمة، ففي الوقت الذي تسعى الأمهات لتأمين مستقبل أبنائهن المادي، يجدن أنفسهن مضطرات للتخلي عن الدور التربوي، الذي لا يمكن تعويضه، إنها معادلة قاسية، تضع المرأة بين خيارين لا ثالث لهما، إما التضحية بمسارها المهني الذي بنته عبر سنوات من الجهد، أو التضحية بالحضور اليومي في حياة أطفالها، في سنواتهم الأولى الأكثر حساسية.

شهادات تعكس واقعا مريرا

تحكي نعيمة، موظفة إدارية في ولاية تيبازة، قصتها مع هذه المعادلة الصعبة: "أدفع ما يقارب عشرة آلاف دينار شهريا، مقابل رعاية ابني، وهو مبلغ يثقل كاهلنا، لكن البديل هو التخلي عن منصبي الذي أفنيت عمري في الدراسة من أجله"، وتضيف بصوت يملؤه الأسى: "أعلم يقينا أن الطفل لا يكون آمنا إلا في حضن أمه، لكن ماذا أفعل في ظل هذه الظروف؟".

أما فريدة، طبيبة في مستشفى تيبازة، فتعيش صراعا مضاعفا بين خصوصية عملها في القطاع الصحي، ومسؤولياتها كأم، تقول: "وجدت نفسي ممزقة بين واجبي المهني تجاه المرضى، وواجبي تجاه ابنتي أحلام، كنت أفكر بجدية في التخلي عن منصبي، لأنني شعرت أنني أخون أمومتي، كل صباح عندما أتركها في الروضة". في المقابل، يقدم محفوظ، مدير مكتب بريد، وجهة نظر مختلفة، وإن كانت لا تخلو من إشكالية، فهو اختار إلحاق ابنه بالروضة، رغم أن زوجته ماكثة في البيت، مبررا ذلك بأن "الروضة تمنح الطفل مهارات اجتماعية وتعليمية لا يمكن توفيرها في المنزل، خاصة للعائلات ذات الدخل المحدود."

مربيات يحاولن تعويض الأم داخل روضات الأطفال

تقول بعض المربيات اللائي يعملن داخل روضات الأطفال، بأنهن يعملن جاهدات للاعتناء بالأطفال، وتعويض الفراغ الذي تتركه الأم يوميا في أوقات عملها، ففطيمة التي تعمل مربية بروضة الأطفال "حطالي"، الواقعة ببلدية تيبازة، وتمتلك شهادة ليسانس في علم النفس التربوي، أكدت في حديثها لـ«المساء"، أنها تعمل المستحيل لتعويض حنان الأم مع الأطفال، من خلال تعاملها بطريقة مميزة وحنان كبير، فتقوم بتغيير الحفاضات والإطعام وحتى اللعب والقيلولة، وهو ما يعطي الطفل انطباعا كبيرا وراحة نفسية، تجعله يحس بأنه داخل بيته، وقالت: "كما أنني أحاول توفير جو عائلي، من خلال تنظيم ألعاب بين الأطفال المتواجدين داخل الروضة، لتشكيل أفراد أسرة أخرى يتفاعلون معها".

من جهة أخرى، تقول غنية، مربية بنفس الروضة، إن الكثير من النساء يأتين بأطفالهن إلى هنا لتربيتهم… فالكثيرات من الماكثات في البيت، يقمن بجلب أطفالهن في الصباح إلى الروضة، وكأنهم ذاهبون إلى مقاعد الدراسة، ثم يعدن إلى البيت للنوم أو القيام ببعض الأعمال العالقة، التي ليست لها أهمية، مقارنة بتربية ابنها المحتاج إلى حنانها ودفئها الذي لا تعوضه امرأة أخرى، رغم أن الروضة توفر كامل عوامل النمو والمناخ المشابه لمناخ الأسرة".

مختصون يحذرون من مخاطر الانفصال المبكر

يحذر الدكتور عباد بشير، المختص في علم النفس، من الانعكاسات النفسية العميقة لدخول الطفل المبكر إلى دار الحضانة، إذ يقول: "إن أول تجربة انفصال عن الأم، تترك أثرا بالغا في نفسية الطفل في سنواته الأولى، يكون الطفل في أمس الحاجة إلى الحضور الدائم للأم، لتكوين ارتباط آمن يبني شخصيته المستقبلية." ويضيف: "رغم أن بعض الروضات تلعب دورا إيجابيا في التحضير النفسي للمدرسة، وتوفير وسائل بيداغوجية، إلا أن دخول الطفل في سن مبكرة جدا، قد يؤدي إلى تشوش في الهوية وانفصام في الشخصية، لأنه لا يستطيع استيعاب التحكم الثنائي في حياته بين البيت والروضة."