بين أجنحة رواق مصطفى كاتب بالعاصمة

الصناعة التقليدية تنعش السياحة المحلية صيفاً

الصناعة التقليدية تنعش السياحة المحلية صيفاً
  • 145
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

تحولت الصناعة التقليدية في الجزائر في السنوات الأخيرة، إلى أكثر من مجرد نشاط اقتصادي يحافظ على الحرفة، ويضمن مصدر رزق لأصحابها، إذ اصبحت عمودا حقيقيا من أعمدة السياحة المحلية، وواجهة تعكس ثراء الهوية الوطنية، وتنوعها الثقافي؛ فكل قطعة من نحاس أو جلد أو فخار أو حلي أو لباس تقليدي، تحمل في تفاصيلها حكاية منطقة، وذاكرة مجتمع، ومهارة توارثتها الأجيال؛ لذلك باتت المعارض المتخصصة فضاءات مفتوحة لاكتشاف هذا التراث الحي، وتقريب الحرفي من المواطن والسائح في الوقت نفسه، بما يمنح الزائر فرصة التعرف على جزء أصيل من الثقافة الجزائرية، واقتناء منتجات صُنعت بأيدي حرفيين حافظوا على أصالتها رغم تحديات العصر.

ولعل المعارض التي تحتضنها العاصمة خلال موسم الاصطياف، تؤكد هذا التوجه؛ فهي لا تكتفي بعرض المنتوج التقليدي، بل تخلق حركية ثقافية وسياحية واقتصادية، تجعل من الصناعة التقليدية عنصرا أساسيا في تنشيط الفضاءات العمومية، واستقطاب الزوار من مختلف ولايات الوطن. كما تمنح الحرفيين فرصة مباشرة للتعريف بمنتجاتهم، والتواصل مع الجمهور بما يسهم في تثمين الموروث الوطني، وترسيخ مكانته ضمن مقومات السياحة الداخلية التي تراهن عليها الجزائر بشكل متزايد.

وفي هذا السياق، يحتضن الرواق الثقافي مصطفى كاتب بالعاصمة هذه الأيام، معرضا للصناعة التقليدية، جمع عددا من الحرفيين القادمين من مختلف ولايات الوطن، حيث تنوعت المعروضات بين صناعة الحلي التقليدية، والمنتجات الجلدية، والفخار، واللباس التقليدي، وغيرها من الحرف التي تعكس غنى التراث الجزائري، وتنوع خصوصياته المحلية، حيث يستقطب المعرض منذ الساعات الأولى من اليوم، الزوار الذين وجدوا في الفضاء فرصة لاكتشاف منتوجات صُنعت بأنامل جزائرية، واقتناء قطع تذكارية تحمل قيمة فنية وثقافية، تتجاوز، بالنسبة لعشاقها، بُعدها التجاري.

المعارض عامل لترقية السياحة المحلية

أكد المشاركون من الحرفيين في حديثهم مع "المساء"، أن هذا النوع من التظاهرات يساهم، بشكل مباشر، في ترقية السياحة المحلية، باعتبار أن السائح أو الزائر يبحث دائما عن منتوج يعبّر عن هوية المكان الذي يقصده. وهو سلوك كلاسيكي لأي زائر نحو وجهة جديدة حتى وإن كان انتقالا من مدينة الى أخرى، وهو ما توفره الصناعات التقليدية التي تتميز بارتباطها بالبيئة المحلية، والمواد الطبيعية، والرموز الثقافية الخاصة بكل منطقة. وأشار هؤلاء الى أن الحرف التقليدية من العناصر المهمة في تعزيز السياحة الثقافية، وتحقيق التنمية المحلية؛ لما توفره من فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية، مع الحفاظ على التراث غير المادي.

ولم يقتصر المعرض على مشاركة الحرفيين الجزائريين، بل عرف أيضا مشاركة حرفي من دولة مالي، عرض مجموعة من المنتجات الجلدية التقليدية التي لفتت اهتمام الزوار؛ من حقائب، وحلي مصنوعة يدويا، ومن الجلد الخام، أوضح في حديثه مع " المساء"، أن مشاركته في هذه التظاهرة تمثل فرصة مهمة للترويج للمنتجات التقليدية المالية، والتعريف بها أمام الجمهور الجزائري، مضيفا أن الصناعات الجلدية في مالي تتشابه الى حد كبير، مع ما يصنعه حرفيو ولاية تمنراست، التي يقطن بها حاليا؛ سواء من حيث المواد المستعملة، أو الزخارف، أو الألوان، أو طرق الصنع.

وهو ما يعكس عمق الروابط الثقافية والتاريخية التي تجمع شعوب المنطقة. ويؤكد أن الحدود الجغرافية لم تمنع تشابه العادات والتقاليد والفنون الحرفية، التي بقيت شاهدة على تاريخ طويل من التبادل والتواصل بين سكان الصحراء. وأضاف أن هذا التقارب الثقافي منح المعرض بعدا آخر يتجاوز الجانب التجاري؛ إذ يُعد في نظره، فرصة لتبادل التجارب والمعارف بين الحرفيين وأيضا الخبرة، موضحا: " اليوم لا يوجد أسرار تُخفى في هذا العالم، لكن لكل لمساته الخاصة، وأذواقه من حيث التصاميم والألوان " . وأضاف أن المعرض سمح، أيضا، للزوار باكتشاف أوجه التشابه بين الصناعات التقليدية في الجزائر وبعض دول الجوار، الأمر الذي يعزز مكانة مثل هذه التظاهرات كجسر للتقارب الثقافي، ويبرز القيمة الحضارية التي تحملها الحرفة التقليدية.

ومن جهتها، أكدت سلمى مازوني حرفية مختصة في صناعة الحلي التقليدية، أنها تحرص على المشاركة في كل دورة من هذا النوع من المعارض؛ إيمانا منها بأهمية الترويج للصناعة التقليدية المحلية، والمحافظة عليها، موضحة أن مثل هذه التظاهرات تمنح الحرفيين فرصة لعرض إبداعاتهم مباشرة أمام الجمهور، والتعريف بما تزخر به مختلف مناطق الوطن من مهارات وإبداعات متوارَثة. كما ترى أن الصناعة التقليدية تشكل جزءا لا يتجزأ من السياحة المحلية، لأن أغلب زوار العاصمة يبحثون عن قطع تذكارية تعكس الثقافة الجزائرية، وتحمل طابعا أصيلا، وهو ما يجعل الحرفيين شركاء حقيقيين في تنشيط الحركة السياحية، والتعريف بالموروث الوطني.

وعكس إقبال العائلات والشباب على أجنحة المعرض، الاهتمام المتزايد بالمنتوج التقليدي، خاصة مع تنوع المعروضات التي جمعت بين الجانب الجمالي والاستعمال اليومي، إذ وجد الزائر أمامه خيارات متعددة من الأواني الفخارية، والمنتجات الجلدية، والحلي التقليدية، والألبسة التراثية، والتي حافظت على أصالتها، مع إدخال لمسات عصرية تلائم مختلف الأذواق. وهو ما يعكس قدرة الحرفي الجزائري على التوفيق بين المحافظة على الهوية والاستجابة لمتطلبات السوق.