حرائر الجزائر يُحيِين التراث الوطني

"الشَّعبانية".. فسحة للتسامح واستقبال سيّد الشهور

"الشَّعبانية".. فسحة للتسامح واستقبال سيّد الشهور
الشاف رقية شقروش- الشاف سمية دليس سمية- الشاف فرحان فتيحة المعروفة باسم ريماس- الشاف نسيمة فلواز- الشاف باية
  • 113
أحلام محي الدين أحلام محي الدين

اختارت حرائر الجزائر من الطهاة "الشافات" بمشاركة الإعلاميات، إحياء عادة اجتماعية تركتها الجدات، ميّزها التلاحم، والتراحم، والتسامح، تُعرف عند كثير من العائلات بـ"الشَّعبانية". وهي عادة اجتماعية عريقة مارستها الأمهات في مختلف ولايات الوطن، ضمن التحضيرات لاستقبال سيد الشهور. وغالبا ما يتم الاحتفال بها وسط شهر شعبان، في أجواء تحفُّها السعادة، واللمة حول طبق "النعمة"، الذي كانت تجتمع عليه العائلة، وحتى الجارات اللواتي يتبادلن الأطباق بينهن، الى جانب طحن التوابل، وتحميص القهوة.

أشارت "الشافات" اللواتي اخترن إحياء " الشعبانية " بمدرسة "ناسو قاتو" بالحامة التي استقبلت الضيفات في أجواء من الحبور وسط جلسة عائلية طبعها الشغف لمعرفة تفاصيل الإرث العريق، الى أن "الشَّعبانية" عادة اجتماعية قديمة، تختلف تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، لكنها تشترك في هدف واحد، وهو تهيئة النفس والبيت والروابط العائلية لاستقبال شهر الرحمة؛ إذ تجتمع العائلة الكبيرة على مائدة واحدة، في أجواء طبعها الدفء العائلي، وصلة الرحم، وتصفية القلوب، ولمّ الشمل. وتُعرف، أيضا، بجلسة "الوداع" للآكلات الثقيلة والعجائن في لغة المطبخ، إذ لا يمكن أبدا تناول " البركوكس"، على سبيل المثال، أثناء الصيام.

احتفالية "الشعبانية" التي أشرفت عليها "الشافات" على غرار نسيمة فلواز ورقية شقروش، وأبدعت فيها الشاف باية بتحضير طبق الرشتة، والشليطة، والبوراك ومختلف أنواع السلطات، أظهرن من خلالها التنوع الكبير في معروضات مائدة "الشعبانية"، إذ تحضّر بعض العائلات الكسكسي بمختلف أنواعه، والشخشوخة البيضاء والحمراء، والبركوكس، و "قطّع وارمي" ، وأيضا "تكربابين" في منطقة القبائل، وكلها أطباق ترمز للكرم، والوفرة. وتحضَّر بكل حب؛ لنيل رضا متناولها.

"حشيش كويرات".. طحن التوابل وتحميص القهوة

من جهتها، أكدت الشاف رقية شقروش، رئيسة الهيئة الوطنية للذوق والإبداع، في فنون الطبخ، في تصريح لـ "المساء": "العادات الجزائرية مستمَدة من ديننا الحنيف. وهي قائمة على لمّ الشمل، وصلة الرحم، واللمة في الدار الكبيرة، والالتفاف حول الأطباق التقليدية. وسمة السهرة هي التسامح. نحضّر أنفسنا وبيوتنا لاستقبال شهر رمضان للتفرغ للعبادة. كما يتم خلال الشعبانية تحضير الأطباق التقليدية المعروفة باللمة، حيث نجتمع على محجوبة، وشوربة، وكسكسي.

والأطباق التي لا نحضرها في رمضان، نتناولها في شعبان". وأضافت: "خلال أواخر أيام شعبان نقوم بتصبير المواد الغذائية التي نحتاجها لرمضان؛ مثل فتل الكسكسي، وتحضير المقطفة، والهروس، والمربى. كما نقوم بطحن الفواح أو التوابل، وتحضير الدقاق الفريك، وأيضا تحضير ماء الورد لاستعماله لطاجين الحلو، وقلب اللوز، وخبز الباي". 

وأشارت الشاف سمية "دليس سمية"، من قسنطينة، الى أن الشرق الجزائري يحيي ليلة النصفية من خلال تحضير طبق الجاري. وقالت: "نحن نحرص على وجود طبق الحلو أيضا، على مائدة الشعبانية. وهو طبق شباح الصفرة. وفي السهرة نحضّر ما يسمى عندنا بالسماط. وهي كريمات مختلفة الأذواق، مثل المحلبي، والطبيخ، والبليزة، وكريمة الجوز؛ نحضّر منها نوعين. ونضع صينية الشاي مرفقة بالمكسرات، وتسمى هذه العادة عندنا بالسماط".

كما أكدت الشاف فرحان فتيحة المعروفة باسم ريماس للمربى، أن التسامح والتراحم هو الميزة التي تطبع ليلة النصفية أو الشعبانية، مردفة: "في شرشال نحرص على إحياء الشعبانية، على غرار مختلف ولايات الوطن. كما نحرص على اجتماع كل أفراد العائلة. الطبق المفضَّل في ذلك اليوم (حشيش كويرات). وهو طبق يشبه (تكربابين) بجاية".

ومن جهتها، أشارت الشاف حبيبة من البليدة، الى أن العائلة كلها تجتمع لإحياء هذه العادة التي لا يغيب عنها أحد. وغالبا ما يقوم باللمة الأخ الكبير الذي يجمع الإخوة في بيته. وقالت في هذا الصدد: "الحديث يومها يدور حول عمليات التحضير لاستقبال الشهر الفضيل، سواء من ناحية تنظيف البيت وتجهيزه، أو عملية التبييض؛ أي الصباغة. وحتى على مستوى المساجد يقوم المتطوعون بأخذ الزرابي من المساجد للبيوت لتنظيفها، وتجفيفها، وإعادتها؛ حتى تكون جاهزة لاستقبال المصلين". 

وتضيف محدثة "المساء": "في العَشاء تجتمع العائلة على طبق النعمة. ويكون كسكسي أو رشتة، أو شخشوخة. نحن نجتمع على طبق الكسكسي بالدجاج بمرق اللفت، والقرع، المرفق باللبن، والمدهون بالدهان الحر. وتكمَل السهرة بالشاي، وإقامة جلسة ذكر، يتم فيها التواصي بالصلاة، وقراءة القرآن، والحديث عن مزايا رمضان.

كما نثبّت أبناءنا على الصيام، واتقاء محارم الله في رمضان؛ لكونه شهر التوبة، والغفران، والعتق من النيران". وفي الختام أشارت الشاف حبيبة الى أن الأيام المتبقية من شعبان؛ أي الأربعة عشر يوما، تنطلق فيها عملية صناعة الفرميسال التقليدي الذي يوضع في الشوربة البليدية، وتحضير التوابل، وطحنها باليد، وكذا تحميص القهوة، وتحضير " النويفخ" الذي تحضَّر عليه القهوة الى جانب قدر الفخار، الخاص بتحضير الشوربة.