موروث تقليدي يستعيد حضوره في المجتمع القالمي
"الشكوة" و"القلّة" و"الزير".. حنين لرائحة الطين و"القطران"
- 178
وردة زرقين
ارتبطت الصناعات التقليدية على غرار صناعة الفخار في بلادنا، بوجود الإنسان منذ القدم؛ إذ تُعد من التراث الثمين، ورمزا من رموز الأصالة والتاريخ، تؤكد على الهوية الحضارية، والشخصية الجزائرية بتنوعها، وتشعبّها.
وصناعة الفخار في قالمة من أقدم الحرف التقليدية المرتبطة بالبيئة المحلية. كما تُعد من الصناعات التقليديّة التي لاتزال مُستمرّة حتى هذا اليوم في القرى والمشاتي وحتى البلديات، إذ لاتزال الكثير من العائلات تحافظ على المورثات التقليدية والحرف التي تستعين بها في قوتها اليومي؛ باعتبار الحرفة امتدادا تاريخيا لنشاط الأجداد، استمدوا من طبيعة الأرض تراثا يميّز منطقتهم.
ويُعد الفخّار التقليدي القالمي منتجا ريفيا جبليا، يحمل في طياته خصوصياته الجغرافية الأصيلة، المعبّرة عن البساطة والصلابة. وهو النشاط الأكثر شعبية بين النساء الريفيات. وتنتشر صناعة الفخار عبر معظم تراب الولاية، فيما ترتكز بكثرة في بلديات بن جراح، والركنية، وهيليبوليس، ولخزارة، وقلعة بوصبع، لتميّز أرضها بنوع ناعم من الطين، يميل لونه إلى الأحمر، ويُستخدم في صناعة تلك الأواني. أما ببلدية حمام الدباغ فيوجد أفضل الصلصال الأبيض. لكن الحرفة لم تعد تحتل المكانة التي كانت عليها من قبل. وباتت تمارَس على نطاق محدود مقارنة بحرف أخرى.
وتُعد "القلة" و"الزير" بمثابة الوسيلة الوحيدة لتبريد الماء قديما لدى العائلات الجزائرية التي لم تكن تملك ثلاجة. ففي زمن ليس ببعيد كانت العائلات القالمية تشرب الماء من "قلة الطين" المطلية في جوفها بقطرات القطران، الذي تبقى رائحته لمدة طويلة، تكون مغلفة بـ«الخيشة”. وتقوم النساء من وقت لآخر، برشها بالماء من الخارج. وتبلَّل "الخيشة" ليصبح الماء باردا.
وإلى جانب "القلة" كان "الزير" منتشرا بكثافة في البيوت القالمية، خاصة في السنوات التي سبقت اختراع الثلاجة. و"الزير" عبارة عن جرّة كبيرة الحجم مصنوعة من الطين، تُستعمل في حفظ الماء. أما "القلة" فهي إناء من الفخار بأحجام مختلفة، انحسر استخدامهما تدريجيا مع تطوّر التكنولوجيا الحديثة، فيما أبقت على استعمالهما القليل من العائلات في القرى للحفاظ على الماء البارد.
ورغم استغناء المرأة الجزائرية والقالمية خاصة عن كثير من الأواني التقليدية والعادات، إلا أن هناك ربّات بيوت وأفراد عائلات لم تمنعهم عصرنة المطبخ من الحفاظ على مثل هذه العادات. والملاحَظ أن "القلة" أعيد استعمالها وبقوة في السنوات الأخيرة القليلة في قالمة، حيث تشهد مع بداية فصل الصيف، وحتى في رمضان الكريم، إقبالا من الناس على شرائها.
وإذا تحدثنا عن المصنوعات لحفظ الماء الشروب باردا نتحدث عن "القربة"؛ وهي عبارة عن وعاء متوسط الحجم مصنوع من مادة "الدباغة"، يُستعمل في حفظ الماء الذي يكون له نكهة خاصة. وكان ولايزال بعض السكان وحتى المحلات يستعملون ماء "القربة"؛ يضعون فيها ماءً للمارّة أثناء الحرّ. وعلى غير "الزير” و"القلة" المصنوعين من الطين، فإن "القربة" تُصنع من جلد المواشي بإضافة قطرات من "القطران". وهي عادة من العادات الموروثة التي لاتزال كثير من العائلات الجزائرية تحافظ عليها، خاصة في جنوبنا الكبير، حيث لا يخلو المطبخ الجزائري العصري والتقليدي في البدو أو الحضر، من قنينة الماء بـ"القطران" خلال فصل الحر.
ورغم ما تمتلكه قالمة من مقومات طبيعية وتراثية تساعد على استمرار صناعة الفخار التقليدي، إلا أن الحرفة تواجه تحديات عديدة، أدت إلى تراجعها بشكل كبير رغم تمسّك بعض العائلات بها؛ ما يستوجب من الجهات المعنية إحياء الموروث والمحافظة عليه؛ باعتباره جزءا من الهوية الثقافية، والتنمية الاقتصادية المحلية.